تفسير سورة الإخلاص

 

تفسير سورة الإخلاص

 الفصل الاول في محتويات تفسير سورة الإخلاص ،وفيه بحث جليل ، وفيه مسائل 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)

اللَّهُ الصَّمَدُ (2)

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

 الاولى : معرفتها 

اعلم!أنّ سورة الإخلاص هي مكية في قول الجمهور، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرضي رحمهم الله تعالى: هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.يعني نزلت بمكة بعد سورة الناس وقبل سورة النجم. وهي أربع آيات وخمس عشرة كلمة ، وسبعة وأربعون حرفا ، لا ناسخ ولا منسوخ فيها،عدت السورة الثانية والعشرون في عداد نزول السور، وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربع، وعند أهل مكة والشام خمس باعتبار {لَمْ يَلِدْ} آية {وَلَمْ يُولَدْ} آية .وفيها إثبات وحدانية الله تعالى ، وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات .وإبطال أن يكون له ابن، وإبطال أن يكون المولود إلاهاً مثل عيسى عليه السلام. ملخص التفاسير).

 الثانية: ربطها 

إعلم! أنه لما بين سبحان تعالى بذلك إهلاكه عدوه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وختم بأعدى أعدائه فحكم بهلاكه ، وهلاك زوجه هلاكا لا جبر له على وجه مبين أنه في أدنى دركات الحقارة ، وأعظم أنواع الخسارة ، فرقص الفكر طربا من هذه الأمور ، وسكر اللب من عجائب المقدور ، واهتز السامع غاية الاهتزاز إلى وصف الفاعل لذلك الذي هو خارج عن طوق البشر ، وخارق للعوائد ، وهو إظهار شخص واحد على الناس كافة مع شدة عداوتهم له ، جاءت الإخلاص كاشفة لما ثبت من العظمة لولي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سبحانه وتعالى الذي أمره بهذا الدين وفعل له هذه الأمور – العظيمة الموجبة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، لئلا يستبعد عليه سبحانه وتعالى شيئا من ذلك ولا غيره ، وإن تمثيل جميع ما يأم ربه كلائنا ما كان وكائنا فيه ما كان على أن يوجه كان موافقة لأمره وطاعة له ومنبئة للاعتقاد الحق الذي أوجب هذه النصرة ، واردة على جميع فرق الضلال ، (نظم الدرر في تناسب الآيات والسورالبقاعي صفحة رقم 577). تنبيه:-  الربط بين الآيات لايخفى على اهل البصيرة.

 الثالثة: اسمها 

اعلم!أنّ سميت في أكثر المصاحف وفي معظم التفاسير وفي “جامع الترمذي” “سورة الإخلاص” واشتهر هذا الاسم لاختصاره وجمعه معاني هذه السورة لأن فيها تعليم الناس إخلاص العبادة لله تعالى، أي سلامة الاعتقاد من الإشراك بالله غيره في الإلهية. وسميت في بعض المصاحف التونسية سورة التوحيد: لأنها تشتمل على إثبات أنه تعالى واحد. وفي “الإتقان” أنها تسمى سورة الأساس: لاشتمالها على توحيد الله وهو أساس الإسلام. وفي “الكشاف” روي عن أبي وأنس رضي الله تعالى

 

عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم إست السماوات السبع والأرضون السبع على {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 1. يعني ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته. وذكر في “الكشاف”: أنها وسورة الكافرون تسميان المقشقشتين: أي المبرئتين من الشرك ومن النفاق. وسماها البقاعي في “نظم الدرر” سورة الصمد : وهو من الأسماء التي جمعها الفخر. وقد عقد الفخر في “التفسير الكبير” فصلا لأسماء هذه السورة فذكر لها عشرين اسما بإضافة عنوان سورة إلى كل اسم منها ولم يذكر أسانيدها فعليك بتتبعها على تفاوت فيها وهي: التفريد، والتجريد لأنه لم يذكر فيها سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ، والتوحيد كذلك ، والإخلاص لما ذكرناه آنفا. والنجاة: لأنها تنجي من الكفر في الدنيا ومن النار في الآخرة.

والولاية: لأن من عرف الله بوحدانيته فهو من أوليائه المؤمنين الذين لا يتولون غير الله. والنسبة: لما روي أنها نزلت لما قال المشركون: أنسب لنا ربك، كما سيأتي. والمعرفة: لأنها أحاطت بالصفات التي لا تتم معرفة الله إلا بمعرفتها. والجمال: لأنها جمعت أصول صفات الله وهي أجمل الصفات وأكملها، ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إن الله جميل يحب الجمال” فسألوه عن ذلك فقال: “أحد صمد لم يلد ولم يولد” . والمقشقشة :يقال قشقش الدواء الجرب إذا أبرأه لأنها تقشقش من الشرك، وقد تقدم آنفا أنه اسم لسورة الكافرون أيضا. والمعوذة: لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه وهو مريض فعوذه بها وبالسورتين اللتين بعدها وقال له: “تعوذ بها” .

 

 والصمد: لأن هذا اللفظ خص بها. والأساس: لأنها أساس العقيدة الأسلامية، والمانعة: لما روي: أنها تمنع عذاب القبر ولفحات النار. والمحضر: لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت. والمنفرة: لأن الشيطان ينفر عند قراءتها. والبراءة: لأنها تبرئ من الشرك. والمذكرة: لأنها تذكر خالص التوحيد الذي هو مودع في الفطرة. والنور: لما روي: أن نور القرآن قل هو الله أحد . والأمان: لأن من اعتقد ما فيها أمن من العذاب. وبضميمة اسمها المشهور {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تبلغ أسماؤها اثنين وعشرين، وقال الفيروز آبادي في بصائر التمييز أنها تسمى الشافية فتبلغ واحدا وعشرين اسما.(ملخص التفاسير).

 الرابعة:موضوعها  

اعلم!أنّ بيان أهم أركان العقيدة والشريعة الإسلامية، وهي توحيد اللَّه وتنزيهه، واتصافه بصفات الكمال، المقصود على الدوام ، المتنزه عن صفات النقص ، وعن المجانسة والمماثلة ونفي الشركاء، وفي هذا الرد على النصارى القائلين بالتثليث، وعلى المشركين الذين عبدوا مع اللَّه آلهة أخرى تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.(ملخص التفاسير).  قد تحدثت عن صفات الله جل وعلا الواحد الأحد ، الجامع لصفات الكمال ، ، الغني عن كل ما سواه ، ، وردت على النصارى القائلين بالتثليث ، وعلى المشركين الوثنئين ، ،الذين جعلوا لله الذرية والبنين.([1]) 

 الخامسة: خلاصتها  

اعلم!أنّ بيان الوحدانيّة ، وذكر الصّمد ، وتنزيه الحقّ من الولد والوالد والولادة ، والبراءَة من الشركة والشريك فى المملكة؛ وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمكافئ والمثيل ، فلا زوجة له ولا ولد ، ولا حاجة بوجه إلى أحد ، بل له الخق والأمر ، فهو يهلك من أراد ويسعد من شاء ، فقال آمراً لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ليكون أول كلمة فيها دالة على رسالته رداً على من كذبه في خاصة نفسه وعلى البراهمة القائلين : إن في العقل غنى عن الرسل وعلى سائرالفرق الضالة.(ملخص التفاسير).

 السادسة:فضلها  

اعلم!أنّ وردت أحاديث كثيرة في فضل هذه السورة، وأنها تعدل في ثواب قراءتها ثلث القرآن لأن كل ما جاء في القرآن بيان لما أجمل فيها ولأن الأصول العامة للشريعة ثلاثة: التوحيد، وتقرير الحدود والأحكام، وبيان الأعمال، وقد تكفلت ببيان التوحيد والتقديس. أخرج البخاري وأبو داود والنسائي رحمهم الله تعالى  عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «أن رجلا سمع رجلا يقرأ قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يرددها، فلما أصبح، جاء إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالّها، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن». 

وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشقّ ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ فقال: اللَّه الواحد الصمد ثلث القرآن». وقد ذكروا في ذلك وجوها ، منها ما قاله أبو العباس بن سريج رحمه الله تعالى: أن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام : ثلث منها للأحكام ، وثلث منها وعد ووعيد ، وثلث منها الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات . وقال الغزالي رحمه الله تعالى: في ” جواهر القرآن” : مهمات القرآن هي معرفة الله ومعرفة الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم ، فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة ، والباقي توابع .وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من الثلاث،

 وهي معرفة الله ، وتقديسه وتوحيده عن مشارك في الجنس والنوع . وهو المراد بنفي الأصل والفرع والكفؤ .  

قال : والوصف بالصمد يشعِر بأنه السيد الذي لا يقصد في الوجود للحوائج سواه . نعم ، ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم ، فلذلك تعدل ثلث القرآن ، أي : ثلث الأصول من القرآن كما قال : < الحج عرفة > أي : هو الأصل والباقي تبعٌ انتهى . فتضمنت هذه السورة إثبات كلَّ كمال له ، ونفي كل نقص عنه ، ونفي إثبات شبيه أو مثل له في كماله ونفي مطلق الشريك عنه ، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ؛ ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن ، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء ، والإنشاء ثلاثة : أمر ، ونهي ، وإباحة . والخبر نوعان : خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه ، وخبر عن خلقه ؛ فأخلصت

سورة الإخلاص الخبر عنه وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن ، وخلَّصت قارئها المؤمن من

الشرك العلمي ، كما خلّصت سورة { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } من الشرك العملي الإرادي القصدي .

وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم خرج نبي اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقرأ: قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، إني لأرى هذا خبرا جاء من السماء، ثم خرج نبي اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال: إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن». قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: وذلك لأن العلماء قسموا القرآن إلى: · أحكام.·عقائد.·قصص وأخبار.

فكانت سورة: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تحمل العقائد، وتخالف بها أمة الإسلام سائر الأمم، فكل الملل وكل الأمم إذا رتبتها من ناحية الأديان تجد لها أكثر من إله، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي تخالف الأمم كلها، فلها إله واحد سبحانه وتعالى، حتى الذين يدرسون الأديان -الآن- في الجامعات الأمريكية وغيرها يقسمون الناس أو العالم كله إلى قسمين: · قسم اتخذ عدة آلهة يعبدها. ·وقسم له إله واحد.فالمسلمون فقط هم الذين يعبد إلهاً واحداً.

 

وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي رحمهم الله تعالى  عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه

عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ في ليلة، فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن».

وروى مسلم حديثا جاء فيه : «بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – رجلا على سريّة فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو اللّه أحد فلما رجعوا ذكر ذلك للنبي – صلى الله عليه وسلم – فقال سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبّ أن أقرأ بها فقال رسول اللّه  صلى الله عليه وسلم  أخبروه أنّ اللّه يحبّه».

وروى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : «كان رجل من الأنصار يؤمّهم في مسجد قباء فكان كلّما أمّهم في الصلاة قرأ بقل هو اللّه أحد ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كلّ ركعة فكلّمه أصحابه إمّا أن تقرأ بها وإمّا أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى فقال ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت وإن كرهتم تركت ، وكانوا يرونه أفضلهم فلما أتاهم النبي – صلى الله عليه وسلم – أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك مما يأمرك به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ فقال : يا رسول اللّه إني أحبّها. فقال : إن حبّها أدخلك الجنة».

وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «أقبلت مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فسمع رجلا يقرأ قل هو اللّه أحد اللّه الصمد فقال رسول اللّه وجبت قلت وما وجبت قال الجنة». وروى النسائي عن معاذ بن عبد اللّه عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال : «أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم – ليصلّي بنا فخرج فقال قل قلت ما أقول قال قل هو اللّه أحد والمعوّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا يكفك كلّ شي ء» (ملخص كتب الاحاديث).

السابعة:شأن نزولها 

اعلم!أنّ روى الترمذي عن أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه وروى عبيد العطار عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها فتكون مكية. وروى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعو أخا لبيد أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا? قال: “إلى الله” ، قال: صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب? يحسي لجهله أن الإله صنم كأصنامهم من معدن أو خشب أو حجارة فنزلت هذه السورة، لإتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة، وقال الواحدي رحمه الله تعالى أن أحبار اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فنزلت. والصحيح أنه مكية فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة، ولعل تأويل من قال: إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد، أو حينما سأل أحبار اليهود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم هذه السورة، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ أو لم يضبط الرواة عنهم عبارتهم تمام الضبط. قال في “الإتقان”: وجمع بعضهم بين الروايتين بتكرر نزولها ثم ظهر لي ترجيح أنها مدنية كما بينته في أسباب النزول اه. وعلى الأصح من أنها مكية.(ملخص التفاسير).  

{الفصل الثاني:في تفسيرآيات سورة الاخلاص ،وفيه بحث جامع ، وفيه مسئلتان}

الاولى:تحقيق الآيتين الكريمتين (1-2)

 الاول: المناسبة بين الآيات الكريمات 

إعلم!أنّ سورة « الإخلاص » وما تحمل من إقرار بإخلاص وحدانية اللّه من كل شرك ـ هى مركب النجاة لمن أراد أن ينجو بنفسه من هذا البلاء ، وأن يخرج من تلك السفينة الغارقة التي ركبها أبو لهب وزوجه ، ومن اتخذ سبيله معهما من مشركى قريش ومشركاتها .. ساقتهم إلى هذا البلاء الذي لقياه فى الدنيا ، وإلى هذا العذاب الأليم فى جهنم المرصودة لهما فى الآخرة، وها هوذ النبي  

الكريم ، يؤذّن فى القوم ، بسورة الإخلاص ، ومركب الخلاص،وفيها إثبات وحدانية الله تعالى، وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات.(ملخص التفاسير).

 الثاني: تفسير الآيتين الكريمتين 

 قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ

الف:- قوله تعالى: “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ” أي سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبّه فَنَزَلَ ” قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد ” فَاَللَّه خَبَر هُوَ وَأَحَد بَدَل مِنْهُ أَوْ خَبَر ثَانٍ([2])يعني الذي سألتموني عنه هو اللّه الواحد في الألوهية ، والرّبوبية الموصوف بصفات الكمال والعظمة المنفرد عن الشبه ، والمثل والنظير ، وقيل لا يوصف أحد بالأحدية غير اللّه تعالى فلا يقال رجل أحد ، ودرهم أحد بل أحد صفة من صفات اللّه تعالى.

استأثر بها فلا يشركه فيها أحد ، والفرق بين الواحد ، والأحد أن الواحد يدخل في الأحد ، ولا ينعكس ، وقيل إن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا ، وفي النفي ما رأيت أحدا ،فتفيد العموم ،وقيل الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهيه أحد ، والأحد هو المنفرد بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد([3])

 

ب:- قوله تعالى: “اللَّهُ الصَّمَدُ” أي مُبْتَدَأ وَخَبَر أَيْ الْمَقْصُود فِي الْحَوَائِج عَلَى الدَّوَام([4]). قال ابن عباس، ومجاهدُ والحسنُ وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهم: “الصمد” الذي لا جوف له.قال الشعبي رحمه الله تعالى: الذي لا يأكل ولا يشرب. وقيل: تفسيره ما بعده، روى أبو العالية عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: “الصمد” الذي لم يلد ولم يولد؛ لأن من يولد سيموت، ومن يرث يورث منه. قال أبو وائلِ شقيقُ بن سلمة رحمه الله تعالى: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدَده، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد. وعن سعيد بن جبير أيضا: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقيل: هو السيد المقصود في (الحوائج. وقال السدي) هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانًا أصمده صمْدًا -بسكون الميم -إذا قصدته، (والمقصود:) صمَد، بفتح الميم.وقال قتادة رجمه الله تعالى: “الصمد” الباقي بعد فناء خلقه. وقال عكرمة رضي الله تعالى عنه: “الصمد” الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي كرم الله وجهه. وجه وجهه. وقال الربيع: الذي لا تعتريه الآفات. قال مقاتل بن حيان رحمه الله تعالى: الذي لا عيب فيه.([5])

الثالث:النكت الراقية  

اعلم! أنّ أحد بمعنى واحد ، أي فرد من جميع جهات الوحدانية ، أي في ذاته وصفاته لا يتجزأ.وهمزة أحد هذا بدل من واو ، وإبدال الهمزة مفتوحة من الواو قليل ، من ذلك امرأة إناة ، يريدون وناة ، لأنه من الوني وهو الفتور ، كما أن أحدا من الوحدة. وقال ثعلب : بين واحد وأحد فرق ، الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان ، والأحد لا يدخله. يقال : اللّه أحد ، ولا يقال : زيد أحد ، لأن اللّه خصوصية له الأحد ، وزيد تكون منه حالات ، انتهى. وما ذكر من أن أحدا لا يدخله ما ذكر منقوض بالعدد. وقرأ أبان بن عثمان ، وزيد بن علي ، ونصر بن عاصم ، وابن سيرين ، والحسن ، وابن أبي إسحاق ، وأبو السمال رحمهم الله تعالى، وأبو عمرو في رواية يونس ، ومحبوب ، والأصمعي ، واللؤلؤي ، وعبيد ، وهارون رحمهم الله تعالى عنه : أَحَدٌ ، اللَّهُ بحذف التنوين لالتقائه مع لام التعريف وهو موجود في كلام العرب وأكثر ما يوجد في الشعر نحو قوله : ولا ذاكرا اللّه إلا قليلا ، ونحو قوله : عمرو الذي هشم الثريد لقومه.([6]) 

نقل عن بعض الحنفية أنه قال في التفرقة بينهما إن الأحدية لا تحتمل الجزئية والعددية بحال ، والواحدية تحتملها لأنه يقال مائة واحدة وألف واحد ولا يقال مائة أحد إلّا ألف أحد وبني على ذلك مسألة الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى التي ذكرها في الجامع الكبير إذا كان لرجل أربع نسوة فقال : واللّه لا أقرب واحدة منكن صار موليا منهن جميعا ولم يجز أن يقرب واحدة منهن إلّا بكفارة ، ولو قال : واللّه لا أقرب إحداهما كن لم يصر موليا إلّا من إحداهن والبيان إليه. وفرق الخطابي بأن الأحدية لتفرد الذات والواحدية لنفي المشاركة في الصفات ، ونقل عن المحققين التفرقة بعكس ذلك ولما لم ينفك في شأنه تعالى أحد الأمرين من الآخر قيل الواحد الأحد في حكم اسم واحد ، وفسر الأحد هنا ابن عباس وأبو عبيدة كما قال الجوزي بالواحد وأيد بقراءة الأعمش «قل هو اللّه الواحد». وفسر بما لا يتجزأ ولا ينقسم. 

وقال بعض الأجلّة : إن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك ، فالمراد به هنا حيث أطلق المتصف بالواحدية التي لا يمكن أن يكون أزيد منها ولا أكمل فهو ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد خارجا وذهنا وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية ، وهو مأخوذ من كلام الرئيس أبي علي بن سينا في تفسيره السورة الجليلة حيث قال إن أحدا دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا لا كثرة معنوية، وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول وكثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة ، والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم وذلك يتضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء. 

وقال ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى : الذي يصح لنا من القول مع إثبات الصفات أنه تعالى واحد في إلهيته لا غير. وقال غيره من السفليين كالحافظ ابن رجب : هو سبحانه الواحد في إلهيته وربوبيته فلا معبود ولا رب سواه عز وجل ، واختار بعد وصفه تعالى بما ورد له سبحانه من الصفات أن المراد الواحدية الكاملة وذلك على الوجهين كون الضمير للشأن وكونه للمسؤول عنه ، ولا يصح أن يراد الواحد بالعدد أصلا إذ يخلو الكلام عليه من الفائدة. وذكر بعضهم أن الاسم الجليل يدل على جميع صفات الكمال وهي الصفات الثبوتية. ويقال لها صفات الإكرام أيضا. 

 والأحد يدل على جميع صفات الجلال وهي الصفات السلبية ويتضمن الكلام على كونهما خبرين الإخبار بكون المسئول عنه متصفا بجميع الصفات الجلالية والكمالية. وتعقب بأن الإلهية جامعة لجميع ذلك بل كل واحد من الأسماء الحسنى كذلك لأن الهوية إلهية لا يمكن التعبير عنها لجلالتها وعظمتها إلّا بأنه هو هو ، وشرح تلك الهوية بلوازم منها ثبوتية ومنها سلبية واسم اللّه تعالى متناول لهما جميعا فهو إشارة إلى هويته تعالىو اللّه سبحانه كالتعريف لها فلذا عقب به،وكلام الرئيس ينادي بذلك وسنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.([7]) 

الواجب على كلا التأويلين ان يكون المراد بأحد ما يكون منزها عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما من الجسمية والمتحيز والمشاركة لشئ من الأشياء فى الحقيقة والمشابهة لشئ من الأشياء فى صفة من صفات الكمال وإذا لم يشابهه أحد فى الذات ولا فى صفة من الصفات لا يكون له ند ولا ضد ولا مثل،

ومن هاهنا قالت الصوفية العلية أحديته تعالى وعدم مشابهة أحد له تعالى فى صفة من الصفات يقتضى ان لا يشاركه أحد فى الوجود فانه اصل الصفات والحيوة التي هى أم الصفات وامامها من العلم والقدرة والارادة والكلام والسمع والتكوين فرع للوجود بالمعنى المصدري فهو امر انتزاعي مترتب عليه ومن ثم قالوا يعنى لا اله الا اللّه لا موجود الا اللّه فالموجود الحقيقي فى الخارج ليس الا اللّه تعالى وما عداه من الممكنات الموجودة متصفة بوجوده كالظل لوجوده فى الخارج أو هو كالظل للخارج الحقيقي وكذا الحال فى العلم والقدرة وسائر الصفات، 

 قال اللّه تعالى ذلك بان اللّه هو الحق يعنى الثابت المتحقق المتأصل فى وجوده وصفاته وان ما يدعون من دونه هو الباطل يعنى اللاشيء فى نفسه وقال اللّه تعالى كل شىء هالك الا وجهه فصفات الممكنات انما يشارك صفات الواجب تعالى اشتراكا اسميا لا اشتراكا حقيقيا ومن لا يفهم كلام الصوفية فعليه التشبث باذيا لهم حتى يتبين لهم انه الحق أو لم يكف بربك انه على كل شىء شهيد الا انهم فى مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شىء محيط ففى جملة واحدة ثم الاشارة إلى مباحث الذات والصفات كلها فى كلمة قل اشارة إلى النبوة والتبليغ واعجاز الآية شاهد على النبوة فكفى بقل هو اللّه أحد عن المجلدات، 

 وان بقي الكلام فى مثل ان صفاته تعالى عين ذاته أو زائدة عليها فلا محذور فيه ولا يتعلق به غرض بل البحث عن مثل هذه الأبحاث الفلسفة يقضى إلى المهلكة قال اللّه تعالى يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربى وما أوتيتم من العلم الا قليلا فإذا لم يوت البشر العلم بحقيقة الروح وهو من الخلائق فانى له العلم بذات الخالق وصفاته الا العجز عن درك إدراكه ….. والبحث عنه اشراك والسبيل إليه المعية الجيبية لا غير عن أبى هريرة قال خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ونحن متنازع فى القدر فغضب حتى احمر وجهه حتى كانما فقئ وجنتيه حب الرمان فقال أبهذا أمرتم أبهذا أرسلت إليكم انما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا فى هذا الأمر عزمت عليكم الا تنازعوا فيه ، رواه الترمذي وروى ابن ماجة نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.([8]) 

(4) قال الترمذي رحمه الله تعالى : حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال حدثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “من قرأ كل يوم  

مائتي مرة قل هو الله أحد ، محي عنه ذنوب خمسين سنة ، إلا أن يكون عليه دين” . وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من أراد أن ينام على فراشه ، فنام على يمينه ، ثم قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مائة مرة ، فإذا كان يوم القيامة يقول الرب : يا عبدي ، ادخل على يمينك الجنة” . قال : هذا حديث غريب من حديث ، ثابت عن أنس. وفي مسند أبي محمد الدارمي ، عن أنس بن مالك  رضي الله تعالى عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} خمسين مرة ، غفرت له ذنوب خمسين سنة”  

قال : وحدثنا عبدالله بن يزيد قال حدثنا حيوة قال : أخبرني أبو عقيل : أنه سمع سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} عشرة مرات بني له قصر في الجنة. ومن قرأها عشرين مرة بني له بها قصران في الجنه. ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة” . فقال عمر بن الخطاب  رضي الله تعالى عنه: والله يا رسول الله إذا لنكثرن قصورنا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “الله أوسع من ذلك” قال أبو محمد : أبو عقيل زهرة بن معبد ، وزعموا أنه كان من الأبدال.  

وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بن عبدالله بن الشخير عن أبيه  رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في مرضه الذي يموت فيه ، لم يفتن في قبره. وأمن من ضغطة القبر. وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها ، حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة” . قال : هذا حديث غريب من حديث يزيد ، تفرد به نصر بن حماد البجلي.

وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي رحمهم الله تعالى قال : سمعت مالك بن أنس  رضي الله تعالى عنه يقول : إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن ، فتنزل الملائكة ، فيأخذون بأقطار الأرض ، فلا يزالون يقرؤون {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يسكن غضبه جل وعز. وخرج من حديث محمد بن خالد الجندي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي  

الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من دخل يوم الجمعةالمسجد ، فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ركعات ، لم يمت حتى يرى منزله في الجنة أو يرى له”. وقال أبو عمر مولى جرير بن عبدالله البجلي ، عن جرير رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حين يدخل منزله ، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل وعن الجيران” وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مرة بورك عليه ، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله ، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه ، ومن قرأها اثنتي عشرة بني الله له اثني عشر قصرا في الجنة ، وتقول الحفظة انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا ، فإن قرأها مائة مرة كفر الله عنه ذنوب خمسين سنة ، ما خلا الدماء والأموال ، فإن قرأها أربعمائة مرة كفر الله عنه ذنوب مائة سنة ، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة أو يرى له”.  

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال : شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد ، وإن لم يكن فيه أحد فسلم علي ، واقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مرة واحدة” ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق ، حتى أفاض عليه جيرانه. 

وقال أنس رضي الله تعالى عنه : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك ، فطلعت الشمس بيضاء لها شعاع ونور ، لم أرها فيما مضى طلعت قط كذلك ، فأتى جبريل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : “يا جبريل ، مالي أرى الشمس طلعت بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى قط” ؟ فقال : “ذلك لأن معاوية الليثي توفي بالمدينة اليوم ، فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه”. قال “ومم ذلك” ؟ قال : “كان يكثر قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} آناء الليل وآناء النهار ، وفي ممشاه وقيامه وقعوده ، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض. فتصلي عليه” ؟ قال “نعم” فصلى عليه ثم رجع. ذكره الثعلبي ، والله أعلم.([9]) 

اعلم أن قوله هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي فلا جرم ما رأوا موجوداً سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوماً فهؤلاء لم يروا موجوداً سوى الحق سبحانه،

وقوله هُوَ إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معيناً انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فلا جرم كان قولنا هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط فلهذا السبب كانت لفظة هُوَ كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء المقام الثاني وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجوداً وشاهدوا الخلق أيضاً موجوداً فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافياً في الإشارة إلى الحق بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة هو فقيل لأجلهم هو الله لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه ويستغني هو عن كل ما عداه والمقام الثالث وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم رداً على هؤلاء ، وإبطال لمقالاتهم فقيل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.([10]) 

(6) أن اعراب قوله تعالى : {الله} ، أي : الذي ثبتت إلهيته وأحديته لا غيره مبتدأ خبره {الصمد} وأخلى هذه الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى ، أو الدليل عليها. والصمد : السيد المصمود إليه في الحوائج ، والمعنى : هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم ، وهو واحد متوحد بالإلوهية ولا يشارك فيها وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه ، وهو الغني عنهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصمد هو الذي لا جوف له ، وقال الشعبي رحمه الله تعالى : هو الذي لا يأكل ولا يشرب ، وقال الربيع : هو الذي لا تعتريه الآفات ، وقال مقاتل بن حبان رحمه الله تعالى: هو الذي لاعيب فيه ، وقال قتادة رحمه الله تعالى: هو الباقي بعد فناء خلقه ، وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى : هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله ، وقال السدّي رحمه الله تعالى : هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب.تقول العرب : صمدت فلاناً أصمده صمداً بسكون الميم إذا قصدته.([11])

الفوائد 

اعلم!أن من فوائد الآيتين الكريمتين:ان سورة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }عند أكثر اهل العلم مكية ،

وقد ذكر في أسباب نزولها سؤال المشركين بمكة ، وسؤال الكفار من أهل الكتاب اليهود بالمدينة ، ولا منافاة ؛ فإن الله أنزلها بمكة أولا ، ثم لما سئل نحو ذلك أنزلها مرة أخرى ، وهذا مما ذكر طائفة من العلماء . وقالوا : إن الآية أو السورة قد تنزل مرتين وأكثر من ذلك ؛ فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد يكون جميعه حقّاً ، والمراد بذلك أنه إذا حدث سبب يناسبها ، نزل جبريل فقرأها عليه ، ليعلمه أنها تتضمن جواب ذلك السبب ، وإن كان الرسول يحفظها قبل ذلك. 

(ومنها)  أن فِي هَذهِ السُّورة لَمَّا سَألوا عَنْ حَقيقَةِ اللَّهِ وَنسبهِ جَاء الجوَابُ بِصفاتِهِ ; لِأَنَّ ما يسْاَلونَ عَنْه إِنَّمَا يَكون فِي المَخْلوقاتِ لَا فِي الخَالقِ سُبْحانَهُ ، وفِي الممْكِنِ لَا فِي الواجِبِ الوجُودِ لِذَاتِهِ ، سبحَانَ مَن لَا يُدْرِكُ كُنْهَهُ غَيْرُهُ ، وصدقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ فِي قَولِهِ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا . ومثلُ ذلِكَ فِي القرآنِ ، لَمَّا سَأَلُوا عَنِ الْأَهِلَّةِ ، مَا بَالهَا تَبْدُو صَغِيرَةً ، ثُمَّ تَكْبُرُ ؟ فَهُوَ سؤَال عَنْ حَقِيقَةِ تَغَيُّرِهَا ، فَتَرَكَ الْقُرْآنُ جَوَابَهُمْ عَلَى سؤَالِهِم وَأَجَابهمْ بِمَا يَلْزَمهم وَيَنْفَعهم . وكَذَلِك جَوَاب الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنُّمْرُوذِ حِينَما حَاجَّهُ فِي رَبِّهِ : إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فذكَرَهُ سُبْحَانَهُ بِصفاتِهِ. 

(ومنها) أنّ لهذه السورة فضل عظيم. قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «إنها تعدل ثلث القرآن»، لكنها تعدله ولا تقوم مقامه، فهي تعدل ثلث القرآن لكن لا تقوم مقام ثلث القرآن. بدليل أن الإنسان لو كررها في الصلاة الفريضة ثلاث مرات لم تكفه عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله، لكنها لا تجزىء عنه، ولا تستغرب أن يكون الشيء معادلاً للشيء ولا يجزىء عنه. فها هو النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن من قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فكأنما أعتق أربعة أنفس من بني إسماعيل، أو من ولد إسماعيل»، ومع ذلك لو كان عليه رقبة كفارة، وقال هذا الذكر، لم يكفه عن الكفارة فلا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون قائماً مقامه في الإجزاء. فورد أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب قراءتها إذ الأصول العامة ثلاثة : التوحيد ، تقرير الحدود وأعمال الخلق ، وذكر أحوال يوم القيامة ، ولا حرج على فضل اللّه الذي يهب لمن يقرؤها بتدبر وتفهم مثل ما يهبه لقارئ ثلث القرآن.  

(ومنها)  ماقال العلماء: هذه السورة في حق اللَّه تعالى، مثل سورة الكوثر في حق الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، لكن الطعن في حق الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم كان بسبب أنهم قالوا: إنه أبتر لا ولد له، وهنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا للَّه ولدا لأن عدم الولد في حق الإنسان عيب، ووجود الولد عيب في حق اللَّه تعالى، ولهذا السبب قال هنا: قُلْ ليدفع عن اللَّه، وفي سورة إنا أعطيناك لم يقل (قل) وإنما قال اللَّه ذلك مباشرة، حتى يدفع بنفسه عن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم 

(ومنها) البلاغة : قُلْ: هُوَ ذكر الاسم الجليل بضمير الشأن للتعظيم والإجلال.اللَّهُ الصَّمَدُ تعريف كل منهما لإفادة التخصيص.لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ جناس ناقص، لتغير الشّكل وبعض الحروف. قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يقتضي نفي الكفء والولد، وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ هو تخصيص بعد تعميم، زيادة في الإيضاح والبيان، وتقرير ما يسمى التجريد أو التفريد.أَحَدٌ، الصَّمَدُ، لَمْ يُولَدْ، أَحَدٌ سجع مرصع. 

(ومنها)  أنّ السورة بعضها تفسير لبعض من هو اللّه؟ هو اللّه. من اللّه؟ الأحد ، من الأحد؟ الصمد ، من الصمد؟ الذي لم يلد ولم يولد ، من الذي لم يلد ولم يولد؟ الذي لم يكن له كفوا أحد، قيل إن أهل البصرة ، كتبوا إلى الإمام الحسين ، رضى اللّه عنه يسألون عن معنى « الصمد » ، فكتب إليهم بقول : « أما بعد ، فلا تخوضوا فى القرآن ، ولا تجادلوا فيه ، ولا تكلّموا فيه بغير علم ، فقد سمعت جدّى رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم – يقول : « من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » وإن اللّه قد فسر سبحانه الصمد ، فقال : « لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ». 

(ومنها)  القراآت : كانوا أبو عمرورحمه الله تعالى يستحب الوقف على قوله ) قل هو الله أحد ( وإذا وصل كان له وجهان من القراءة : أحدهما التنوين وكسره ، والثاني حذف التنوين كقراءة عزير بن الله لاجتماع الساكنين ، وكل صواب ) وكفؤاً ( بالسكون والهمزة : حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل ورويس عن يعقوب رحمهم الله تعالى.وكان حمزة رحمه الله تعالى يقف ساكنة الفاء ملينة الهمزة ويجعلها شبه الواو إتباعاً للمصحف ، فقرأ الجمهور : بتنوين { أحد } ، وهو : الأصل . وقرأ زيد بن عليّ ، وأبان بن عثمان ، وابن أبي إسحاق ، والحسن ، وأبو السماك ، وأبو عمرو رحمهم الله تعالى في رواية عنه بحذف التنوين للخفة ، كما في قول الشاعر : عمرو الذي هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف، وقيل : إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف ، فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين . ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأوّل منهما بالكسر.  

ومنها: ما قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في شرح الأسماء الحسنى : فالله سبحانه وتعالى أحد في ذاته ، أحد في صفاته ، أحد في أفعاله ، أحد لا عن أحد غير متجزئ ولا متبعض ، أحد غير مركب ولا مؤلف ، أحد لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً ، أحد غني عن كل أحد – انتهى ، أجمع سلف الأمة وأئمتها أن الرب سبحانه وتعالى بائن من مخلوقاته ، يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل بوصف من صفات الكمال  ، ونعلم أنه ليس كمثله شيء ولا كفوء له في شيء من صفات الكمال كما قال الله تعالى : ( قل هو الله أحد الله الصمد ، إلى آخرها. 

(ومنها) ما يقول الإمام رحمه الله تعالى« الطبرسي » فى تفسيره (مجمع البيان فى تفسير القرآن ) : « قيل إنما قال « أحد » ولم يقل « واحد » لأن الواحد يدخل فى الحساب ، ويضمّ إليه آخر .. وأما الأحد فهو الذي لا يتجزأ ، ولا ينقسم فى ذاته ، ولا فى معنى صفاته ، ويجوز أن يجعل للواحد ثان ، ولا يجوز أن يجعل للأحد ثان .. لأن الأحد يستوعب جنسه ، بخلاف الواحد .. ألا ترى أنك لو قلت فلان لا يقاومه واحد ، جاز أن يقاومه اثنان ، وإذا قلت : لا يقاومه أحد لم يجز أن يقاومه اثنان ، ولا أكثر .. فهو أبلغ .. ». 

 (ومنها) أنّ في هذه السورة : صفات ثبوتية . وصفات سلبية .الصفات الثبوتية 🙁 الله ) التي تتضمن الألوهية.( أحد ) تتضمن الأحديَّة . ( الصمد ) تتضمن الصمديَّة .والصفات السلبية 🙁 لم يلد ) نفى عن نفسه الولد .( ولم يولد) نفى عن نفسه الولادة .( ولم يكن له كفواً أحد ) نفى عن نفسه المثيل والنظير . ثلاث إثبات ، وثلاث نفي … وهذا النفي يتضمن من الإثبات كمال الأحدية والصمدية .فهذه السورة مشتملة على توحيد ، والصفات فتضمنت أهم الأركان التي قامت عليها رسالة النبي – صلى الله عليه وسلم – وهي توحيد الله وتنزيهه . 

(ومنها) أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى . الأول : أنه واحد لا ثاني معه فهو نفي للعدد . والثاني : أنه واحد لا نظير ولا شريك له كما تقول : فلان واحد عصره أي لا نظير له . والثالث : أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعض ، والأظهر أن المراد في السورة نفي الشريك لقصد الرد على المشركين ومنه قوله تعالى : { وإلهكم إله وَاحِدٌ } (البقرة : 163 ). قال الزمخشري : أحد وصفُ بالوحدانية ونفي الشركاء . 

(ومنها)  أن في الصَّمَد خمس حروف : فالألف دليل على أحديّته ، واللام دليل على إلهيته وهما مدغمان لا يظهران على اللسان ويظهران في الكتابة ، فدلّ على أحديته وإلهيّته خفية لا يدرك بالحواس ، وأنّه لا يقاس بالناس فخفاءه في اللفظ دليل على أن العقول لا تدركه ولا تحيط به علما ، وإظهاره في الكتابة دليل على أنه يظهر على قلوب العارفين ، ويبدو لأعين المحبين في دار السلام ، والصاد دليل على صدقه ، فوعده صدق وقوله صدق وفعله صدق ودعا عباده الى الصدق ، والميم دليل على ملكه فهو الملك على الحقيقة ، والدال علامة دوامه في أبديته وأزليته. 

(ومنها) أنّ كل ما ذكر فى اقوال السلف من المعاني فهى تعبيرات عن لوازمه لأن المقصود على الإطلاق من يحتاج كل ما عداه إليه ولا يحتاج هو إلى غيره فى شىء من الأشياء فيكون ألبتة جامعا لجميع الكمالات وانواع السودد ومنزها عن العيوب وان تعتريه الآفات غير محتاج إلى الاكل والشرب قديما بما لم يولد غير مجانس لاحد حتى يلد مثله ولا يكون فوقه بل ليس مثله أحد فيكون ألبتة بحيث لا ينفذ إليه فهم وادراك ولما كانت الجملة السابقة تغنيه عن هذه الجملة وعن الجمل الثلث اللاحقة وهذه الجملة وما بعدها كالتأكيد للاولى أوردت لزيادة الاهتمام من قبيل إيراد الخاص بعد العام للمبالغة فى التنزيه والتصريح بالرد على المخاطبين المنكرين المشركين فى القصد والعبادة غيره تعالى القائلين باتخاذ اللّه تعالى البنات والبنين بغيره. واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

 

الثانية:- تحقيق الآيتين الكريمتين (3-4)

 الاول: المناسبة بين الآيات الكريمات 

 

إعلم!أنّه لما بيّن إثبات وحدانية اللّه ، وأنه لا شريك له ، وأنه هو المقصود وحده في قضاء الحوائج، ثم بين تنزيه للّه تعالى عن أن يكون له ولد أو بنت أو والد أو أم ، أما استحالة أن يكون له ولد فإن الولد يقتضى انفصال جزء من أبيه وهذا بلا شك يقتضى التعدد والحدوث ومشابهة المخلوقات ، على أنه غير محتاج إلى الولد فهو الذي خلق الكون وهو الذي فطر السموات والأرض وهو الذي يرثهما؛ أما استحالة كونه مولودا فهي من البديهيات الظاهرة لاحتياج الولد إلى والد ووالدة ، وإلى ثدي ومرضعة ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. نعم ما دام واحدا في ذاته ليس متعددا ، وليس والدا لأحد ولا مولودا لأحد ، فليس يشبه أحدا من خلقه ، وليس له مثيل أو نظير أو ند أو شريك سبحانه وتعالى عما يشركون.(ملخص التفاسير). 

 الثاني: تفسير الآيتين الكريمتين 

 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  

الف:- قوله تعالى:  “لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ” أي لَمْ يَلِد ” لِانْتِفَاءِ مُجَانَسَته ” وَلَمْ يُولَد” لِانْتِفَاءِ الْحُدُوث عَنْهُ([12])يعني ثُمَّ صرحَ ببعضِ أحكامٍ جزئيةٍ مندرجةٍ تحتَ الأحكامِ السابقةِ فقيلَ { لَمْ يَلِدْ } تنصيصاً على إبطالِ زعمِ المفترينَ في حقِّ الملائكةِ والمسيحِ ولذلكَ وردَ النفيُ على صيغةِ الماضِي أيْ لَمْ يصدُرْ عنْهُ ولدٌ لأنَّهُ لا يجانسُهُ شيءٌ ليمكنَ أنْ يكونَ لهُ من جنسِهِ صاحبةٌ فيتوالدَ كما نطقَ بهِ قولُهُ تعالَى : { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة } ولا يفتقرُ إلى ما يعينُهُ أو يخلفُهُ لاستحالةِ الحاجةِ والفناءِ عليهِ سبحانَهُ { وَلَمْ يُولَدْ } أيْ لمْ يصدُرْ عنْهُ شيءٌ لاستحالةِ نسبةِ العدمِ سابقاً ولاحقاً والتصريحُ بهِ معَ كونِهِم معرفينَ بمضمونِهِ لتقريرِ ما قبلَهُ وتحقيقه بالإشارةِ إلى أنَّهما متلازمانِ إذِ المعهودُ أنَّ ما يلدُ يولدُ ومَا لاَ فَلاَ ومنْ قضيةِ الاعترافِ بأنَّهُ لا يلدُ فهو قريبٌ منْ عطفِ لا  يستقدمونَ عَلَى لا يستأخرونَ كمَا مرَّ تحقيقُهُ .([13]) 

  ب:- قوله تعالى: “وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” أَيْ مُكَافِئًا وَمُمَاثِلًا , وَلَهُ مُتَعَلِّق بِكُفُوًا , وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحَطّ الْقَصْد بِالنَّفْيِ وَأُخِّرَ أَحَد وَهُوَ اِسْم يَكُنْ عَنْ خَبَرهَا رِعَايَة لِلْفَاصِلَةِ. ( تفسيرالجلالين ج13ص235).يعني نفي أن يماثله شيء . ومن زعم أن نفي الكفء وهو المثل في الماضي لا يدل على نفيه للحال والكفار يدعونه في الحال فقد تاه في غيه ، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة إذ الحادث لا يكون كفؤاً للقديم ، وحاصل كلام الكفرة يئول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل ،  والسورة تدفع الكل كما قررنا ، واستحسن سيبويه رحمه الله تعالى تقديم الظرف إذا كان مستقراً أي خبراً لأنه لما كان محتاجاً إليه قدم ليعلم من أول الأمر أنه خبر لا فضلة ، وتأخيره إذا كان لغواً أي فضلة لأن التأخير مستحق للفضلات . وإنما قدم في الكلام الأفصح لأن الكلام سيق لنفي المكافأة عن ذات الباريءسبحانه،وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان الأهم تقديمه.([14])

 الثالث: النكت الوافية  

إعلم!أنّه ثم صرح ببعض أحكام جزئية مندرجة تحت الأحكام السابقة فقيل {لَمْ يَلِدْ}أي نزاد كسى را. تنصيصاً على إبطال زعم المفترين في حق الملائكة والمسيح ولذلك ورد النفي على صيغة الماضي من غير أن يقال لن يلد أولاً يلد أي لم يصدر عنه ولد لأنه لا يجانسه شي ليمكن أن يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد أولاً يفتقر إلى ما يعينه أو يخلفه لاستحالة الحاجة والفناء عليه سبحانه فإن قلت لم قال في هذه السورة لم يلد وفي سورة بني إسرائيل لم يتخذ ولداً أجيب بأن النصارى فريقان منهم من قال عيسى ولد الله حقيقة فقوله لم يلد إشارة إلى الرد عليه ومنهم من قال اتخذه ولداً تشريفاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً تشريفاً فقوله لم يتخذ ولداً إشارة إلى الرد عليه،

{وَلَمْ يُولَدْ}أي ونزاده شد از كسى.أي لم يصدر عن شيء لاستحالة نسبة العدم إليه سابقاً أولاً حقاً وقال بعضهم : الوالدية والمولودية لا تكونان إلا بالمثلية فإن المولود لا بد أن يكون مثل الوالد ولا مثلية بين هويته الواجبة وهوياتنا الممكنة انتهى وقال البقلي لم يلد ولم يولد أي لم يكن هو محل الحوادث ولا الحوادث محله والتصريح بأنه لم يولد مع كونهم معترفين بمضمونه لتقرير ما قبله وتحقيقه بالإشرة إلى أنهما متلازمان إذ المعهود إن ما يلد يولد وما لا فلا ومن قضية الاعتراف بأنه لم يولد الاعتراف بأنه لا يلد وفي “كشف الأسرار” قدم ذكر لم يلد لأن من الكفار من ادعى إن له ولداً ولم يدع أحد إنه مولود.([15]) 

(8) قرأ العامة : ” كُفُواً ” بضم الكاف والفاء , وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية , وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة , وأبدلها حفص واواً مطلقاً , والباقون بالهمزة مطلقاً. قال القرطبي رحمه الله تعالى: ونقدم في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم , فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى ” أتتّخذنا هزواً “. وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم ” كفاء ” بالكسر والمد أي لا مثل له , وأنشد للنابغة : لاَ تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ وقرأ نافع رحمه الله تعالى في رواية : كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.والكفو النظير كقوله : هذا كفؤ لك : أي نظيرك , والاسم الكفاءة بالفتح. 

قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى : والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة , والصمديّة , ونفى الوالدية , والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال , والعظمة لانفراده سبحانه , وتعالى بوجوب الوجود لذاته. روى أبو هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يَقُول الله تعالى : كذَّبنِي ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ ذَلِكَ , وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ , فأما تَكْذيبهُ فقوله : لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي , وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ , وأمَّا شتمهُ إيَّاي , فقوله : اتخذ الله ولداً , وأنا الأحدُ الصَّمَدُ , لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد “.([16]) 

(9) الخلاصة – إن السورة تضمنت نفى الشرك بجميع أنواعه ، فقد نفى اللّه عن نفسه أنواع الكثرة بقوله : « اللّه أحد » ونفى عن نفسه أنواع الاحتياج بقوله :« اللَّهُ الصَّمَدُ » ونفى عن نفسه المجانسة والمشابهة لشىء بقوله : « لَمْ يَلِدْ » ونفى عن نفسه الحدوث والأوّلية بقوله : « وَلَمْ يُولَدْ » ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله :« وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ » تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.([17])

 الفوائد  

 اعلم!أن من فوائد الآيتين الكريمتين: انه حصل من مجموع جملة {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} إبطال أن يكون الله والدا لمولود، أو مولودا من والد بالصراحة. وبطلت إلهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإله مثل عقيدة زرادشت الثانوية القائلة بوجود إلهين: إله الخير وهو الأصل، وإله الشر وهو متولد عن إله الخير، لأن إله الخير وهو المسمى عندهم يزدان فكر فكرة سوء فتولد منه إله الشر المسمى عندهم أهرمن وقد أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله:قال أناس باطل زعمهم … فراقبوا الله ولا تزعمن فكر (يزدان) على غرة … فصيغ من تفكيره (أهرمن)، 

وبطلت عقيدة النصارى بإلهية عيسى عليه السلام بتوهمهم أنه ابن الله وأن ابن الله لا يكون إلا إلها بأن الإله يستحيل أن يكون له ولد فليس عيسى بابن الله، وبأن الإله يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم. فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلها فبطل أن يكون عيسى إلها. فلما أبطلت الجملة الاسمية الأولى إلهية إله غير الله بالأصالة، وأبطلت الجملة الثانية إلهية غير الله بالاستحقاق، أبطلت هذه الجملة إلهية غير الله بالفرعية والتولد بطريق الكناية ، وجاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ رضي الله تعالى عنه قَالَ قَالَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – « مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ ، يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ ». 

(ومنها) انّ من المعلوم أنه إذا لم يكن له ولد ينفى عنه اسم الوالد والصاحبة ، لأن الولد يكون منهما أو من أحدهما كآدم وحواء والمسيح ، واللّه تعالى هو الأول الذي لم يتقدمه والد والآخر الذي لا يتفزع عنه ولد ومن كان كذلك صح أن يقال “وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 3” يكافئه في كونه لأن كل ما فيه خلقه ولن يكافيء المخلوق خالقه قال تعالى “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ” الآية 11 من سورة الشورى.

(ومنها) انه قد نص سيبويه رحمه الله تعالى في كتابه على أن الخبر قد يقدم على الاسم في باب ( كان ) ولكن تعلق الخبر حينئذ لا يتقدم على الخبر كيلا يلزم العدول عن الأصل بمرتبتين فكيف قدم الصرف على الاسم والخبر جميعاً ؟ أجاب النحويون عنه بأن هذا الظرف وقع بياناً للمحذوف كأنه قال : ولم يكن أحد فقيل : لمن ؟ فأجيب بقوله ( له ) نظيره قوله ) وكانوا فيه من الزاهدين ). ( يوسف : 20) وقوله {فلما بلغ معه السعي} ( الصافات : 102) .  

(ومنها)  انه لم يذكر العاطف على هذه الجملة ولا على ما بعدها وكرر اسم اللّه تعالى للاشعار بان لم يتصف به لم يستحق الالوهية وان المقصد يجب ان لا يكون غيره تعالى ومن ثم قالت الصوفية معنى لا اله الا اللّه لا مقصود الا اللّه وقالوا ما هو مقصد لك فهو معبود لك فان المرء لا تزال يلقى نفسه فى كمال التذلل لتحصيل مقصوده والعبادة عبارة عن كمال التذلل فالصوفية العلية يذكرون النفي والإثبات مع ملاحظة نفى مقصودية ما عدا اللّه ويجتهدون فيه غاية الاجتهاد حتى يزول عن صدورهم كون غيره تعالى مقصودا بوجه من الوجوه واللّه الميسر لكل عسير. 

(ومنها) أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات اللّه تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل جواز وقوعه وقسم ثالث يمكن الوصول إليه بالعقل والسمع معا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (الأنبياء : 22). 

(ومنها)  أن قوله : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول : مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى اللّه وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى اللّه لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده ، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما ، فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه ، وقوله : هُوَ إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين ، فلا جرم كان قولنا : هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز، لأن الافتقار إلى التمييز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان، 

 وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط ، فلهذا السبب كانت لفظة : هُوَ كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء ، المقام الثاني : وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول ، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق أيضا موجودا ، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافيا في الإشارة إلى الحق ، بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة اللّه بلفظة هو ، فقيل : لأجلهم هو / اللّه ، لأن اللّه هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه ، ويستغني هو عن كل ما عداه, 

 والمقام الثالث : وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها ، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وإبطالا لمقالاتهم فقيل : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. 

(ومنها)  أنّ قوله : أَحَدٌ يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة ، والنصارى في التثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، والآية الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى اللّه لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات ، والثالثة تبطل مذهب اليهود في عزير ، والنصارى في المسيح ، والمشركين في أن الملائكة بنات اللّه ، والآية الرابعة تبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء له وشركاء. 

(ومنها)   أن هذه السورة متصلة بقل يا أيها الكافرون في المعنى ولهذا قيل : من أسمائها أيضاً الإخلاص وقد قالوا : إنها اشتملت على التوحيد ، وهذه أيضاً مشتملة عليه ولهذا قرن بينهما في القراءة في الفجر ، والطواف ، والضحى ، وسنة المغرب ، وصبح المسافر ، ومغرب ليلة الجمعة وذلك أنه لما نفى عبادة ما يعبدون ، صرح هنا بلازم ذلك ، وهو أن معبوده أحد ، وأقام الدليل عليه بأنه صمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ولا يستحق العبادة إلا من كان كذلك ، وليس في معبوداتهم ما هو كذلك وإنما فصل بين النظيرتين بالسورتين لما تقدم من الحكمة ، وكأن إيلاءها سورة تبت ورد عليه بخصوصه. 

(ومنها)  أنّ هذه السورة أعظم مفيد للتوحيد في القرآن ، قال الرازي رحمه الله تعالى : والتوحيد مقام ثلاث ، فالعقل يعرفه ولكن النطق لا يصل إليه سئل الجنيد عن التوحيد فقال : معنى تضمحل فيه الرسوم وتتشوش فيه العلوم ويكون الله كما لم يزل وقال الجنيدرحمه الله تعالى أيضا : أشرف كلمة في التوحيد ما قاله الصديق رضي الله عنه : سبحانه من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته. واللّه سبحانه وتعالى أعلم