تفسير سورة الناس

تفسير سورة الناس

.بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)

{ وفيه فصلان: الفصل الاول في محتويات سورة الناس ،وفيه بحث جليل ، وفيه مسائل }

تفسير سورة الناس الاولى : معرفتها 

اعلم!أنّ سورة الناس مدنية وقيل مكية والأول أصح وهي ست آيات وعشرون كلمة وتسعة وسبعون حرفا.([1]) ولما كانت مضرة الدين ، وهي آفة الوسوسة ، أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت ، جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث : الرب والملك والإله ، وإن اتحد المطلوب ، وفي الاستعاذة من ثلاث : الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب ، وإن تكثر الذي يستعاذ منه.([2]) وفيها الاعتصام بحفظ الحقِّ – تعالى – وحياطته ، والحذر والاحتراز من وَسْواس الشيطان ، ومشن تعدّى الجنّ والإِنسان ، فى قوله : {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.

 الثانية: ربطها 

اعلم!أنّ لما جاءت سورة الفلق للاستعاذة من شر ما خلق من جميع المضار البدنية وغيرها العامة للإنسان وغيره ، وذلك هو جملة الشر الموجود في جميع الأكوان والأزمان ، ثم وقع فيها التخصيص بشرور بأعيانها من الفاسق والساحر والحاسد ، فكانت الاستعاذة فيها عامة للمصائب الخارجة التي ترجع إلى ظلم الغير ، والمعايب الداخلة التي ترجع إلى ظلم النفس ولكنها في المصائب أظهر ، وختمت بالحسد فعلم أنه أضر المصائب ، وكان أصل ما بين الجن والإنس من العداوة الحسد ، جاءت سورة الناس متضمنة للاستعاذة من شر خاص ، وهو الوسواس ، وهو أخص من مطلق الحاسد ، ويرجع إلى المعايب الداخلة اللاحقة للنفوس البشرية التي أصلها كلها الوسوسة ، وهي سبب الذنوب والمعاصي كلها ، وهي من الجن أمكن وأضر ، والشر كله يرجع إلى المصائب والمعايب ، فقد تضمنت السورة كالفلق استعاذة ومستعاذاً به ومستعاذاً منه وأمراً بإيجاد ذلك ، فالأمر : ( قل ( والاسعتاذة ) أعوذ ( والمستعاذ به هو الله سبحانه وتعالى ، وخص الإضافة بالمزلزلين المضطربين في الأبدان والأديان من الإنس والجان لخصوص المستعاذ منه ، وهو الأضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها ، بخلاف ما في الفلق فإنه المضار البدنية التي تعم الإنسان وغيره .( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي  ج8ص رقم 612) تنبيه:- الربط بين الآيات واضح كمالايخفى، تدبر.

 الثالثة:اسمها 

اعلم!أنّ سميت سورة الناس لافتتاحها بقول اللَّه تبارك وتعالى : قُلْ : أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِتقدم عند تفسير أول سورة الفلق أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى سورة الناس {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} . وتقدم في سورة الفلق أنها وسورة الناس تسميان “المعوذتين”، و”المشقشقتين” بتقديم الشنين على القافين، وتقدم أيضا أن الزمخشري والقرطبي رحمهما الله تعالى ذكرا أنهما تسميان “المشقشقتين” بتقديم القافين على الشينين، وعنونها ابن عطية رحمه الله تعالى في “المحرر الوجيز” “سورة المعوذة الثانية” بإضافة “سورة” إلى “المعوذة” من إضافة الموصوف إلى الصفة. وعنونهما الترمذي رحمه الله تعالى “المعوذتين”، وعنونها البخاري رحمه الله تعالى في “صحيحه” “سورة قل أعوذ برب الناس” وفي مصاحفنا القديمة والحديثة المغربية والمشرقية تسمية هذه السورة “سورة الناس” وكذلك أكثر كتب التفسير. (ملخص التفاسير).

 الرابعة:موضوعها 

اعلم!أنّ وجوب الإستجارة والإحتماء برب العالمين ، من شر أعدى الأعداء ، إبليس وأعوانه من شياطين

 الإنس والجن،الذين يغوون الناس بأنواع الوسوسة والإغواء,وتقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته عز وجل ،وتوضيح استعاذة ومستعاذابه ومستعاذا منه .(ملخص التفاسير).

 الخامسة: خلاصتها 

اعلم!أنّ قال ابن كثيررحمه الله تعالى : هذه ثلاث صفات من صفات الربّ عزّ وجلّ : الربوبية ، والملك ، والإِلهية ، فهو ربّ كلّ شيء ومليكه وإلهه ، فجميع الأشياء مخلوقة له ، مملوكة عبيد له ، فأمر المستعيذ أن يتعوّذ بالمتّصف بهذه الصفات من شرّ الوسواس الخنّاس وهو : الشيطان الموكل بالإِنسان ، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزيّن له الفواحش ولا يألوه جهدًا في الخبال ، والمعصوم من عصمه الله . وعن ابن عباس  رضي الله تعالى عنهما في قوله : ? الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ? ، قال : ( الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا سها وغفل وسوس ، وإذا ذكر الله خنس ) . وقال قتادة رضي الله تعالى عنه: يعني : الشيطان يوسوس في صدر ابن آدم ويخنس إذا ذكر الله .

قال البغوي رحمه الله تعالى: ? الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ? بالكلام الخفيّ الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع . ? مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ? ، يعني : يدخل في الجنّيّ كما يدخل في الإنسيّ ، ويوسوس الجنّيّ كما يوسوس الإنسيّ .(ملخص التفاسير).

 السادسة:فضلها 

اعلم!أنّه عن عائشة رضى الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح بيده عليه، رجاء بركتها. عن أبي سعيد رضى الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من أعين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.([3])

 وروى النسائي عن أبي عبد اللَّه بن عابس الجهني رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال له: «يا ابن عابس ألا أدلك- أو ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، هاتان السورتان». وأورد ابن كثير أحاديث كثيرة في معناها ثم قال: فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.

 السابعة: إمتيازها 

اعلم!أنّ لما كانت مضرة الدين ، وهي آفة الوسوسة ، أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت ،

جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث : الرب والملك والإله ، وإن اتحد المطلوب ، وفي الاستعاذة من ثلاث : الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب ، وإن تكثر الذي يستعاذ منه.([4])

{ الفصل الثاني:في تفسيرآيات سورة الناس ,وفيه بحث نبيل، وفيه مسئلتان }

الاولى: تحقيق  الآيات الكريمات:(1-3)

 الأول: المناسبة بين الآيات الكريمات 

إعلم! أنه لماذكر المعوذة الاولى فهذه سورة المعوذة الثانية، وبدأ سبحانه تعالى بإضافة الناس إلى ربهم ، لأن الربوبية من أوائل نعم اللّه تعالى على عباده ، وثنى بذكر المالك ، لأنه إنما يدرك ذلك بعد أن يصير عاقلا مدركا ، وختم بالإضافة إلى الألوهية ، لأن الإنسان بعد أن يدرك ويتعلم ، يدرك أن المستحق للعبادة هو اللّه رب العالمين.(ملخص التفاسير).

الثاني: تفسير الآيات الكريمات 

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ }

الف:- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ”. أي كما أمرناك أن تستعيذ برب الفلق فاستعذ برب الناس وحافظهم مما يضرهم مادة ومعنى ، وهو “مَلِكِ النَّاسِ 2” ومالك أمرهم ومدبر أمورهم وقد وصف جل شأنه نفسه بأنه رب الناس ، لأن الرب قد يكون ملكا ، وقد لا يكون ملكا ، فنبه جل شأنه على أنه ربهم.([5])

قوله عز وجل : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إنما خصص الناس بالذّكر ، وإن كان رب جميع المحدثات لأنه لما أمر بالاستعاذة من شر الوسواس ، فكأنه قال أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم ، وهو إلههم ومعبودهم فإنه هو الذي يعيذهم من شرهم ، وقيل إن أشرف المخلوقات هم الناس ، فلهذا خصهم بالذكر.([6])

 ب:- قوله تعالى: “مَلِكِ النَّاسِ” أي عطف بيان جيء به لبيان إن تربيته تعالى إياهم ليست بطريق تربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم بل بطريق الملك الكامل والتصرف الشامل والسلطان القاهر فما ذكروه في ترجيح المالك على الملك من أن المالك مالك العبد وإنه مطق التصرف فيه بخلاف الملك فإنه إنما يملك بقهر وسياسة ومن بعض الوجوه فقياس لا يصح ولا يطرد إلا في المخلوقين لا في الحق فإنه من الين إنه مطلق التصرف وإنه يملك من جميع الوجوه فلا يقاس ملكية غيره عليه ولا تضاف النعوت والأسماء إليه إلا من حيث أكمل مفهوماته ومن وجوه ترجيح الملك على المالك إن الأحاديث النبوية مبينات لأسرار القرآن ومنبهات عليها وقد ورد في الحديث في بعض الأدعية النبوية.([7])

لا يجوز ههنا مالك الناس ويجوز مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ في سورة الفاتحة والفرق أن قوله رَبّ النَّاسِ أفاد كونه مالكاً لهم فلا بد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكاً فهو ملك فإن قيل أليس قال في سورة الفاتحة رَبّ الْعَالَمِينَ ثم قال مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ فليزم وقوع التكرار هناك قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين وهي الأشياء الموجودةفي الحال وعلى أنه مالك ليوم الدين أي قادرعليه فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير وأما ههنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد فيلزم منه التكرير فظهر الفرق وأيضاً فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس وقد قرىء مالك لكن في الشواذ([8])

ج:- قوله تعالى:” إِلَهِ النَّاسِ” أي يقول: معبود الناس، الذي له العبادة دون كل شيء سواه.([9]) فإِنه لبيان أن ملكه تعالى ليس بمجرد الاستيلاء عليهم والقيام بتدبير أمورهم وسياستهم والتولى لترتيب مبادىء حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر المملوك بل هو بطريق المعبودية المؤسسة.([10])

 الثالث:النكت الشافية 

 (1)اعلم!أنه بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه فثنى بذكر الملك ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله فلهذا ختم به وأيضاً أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعاً لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة وهذا هو الرب ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكاً لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنياً عن غيره ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته فحينئذ يعرفه إلهاً.([11])

(2) قال القاشاني رحمه الله تعالى:رب الناس هو الذات مع جميع الصفات لأن الإنسان هو الكون الجامع الحاصر لجميع مراتبا لوجود فربه الذي أوجده وأفاض عليه كماله هو الذات باعتبار جميع لأسماء الجمالية والجلالية تعوذ بوجهه بعد ما تعوذ بصفاته ولهذا تأخرت هذه الصورة عن المعوذة الأولى إذ فيها تعوذ في مقام الصفات باسمه الهادي فهداه إلى ذاته وفي الحديث : “أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك” ابتدأ بالتعوذ بالرضى الذي هو من الصفات لقرب الصفات من الذات ثم استعاذ بالمعافاة التي هي من صفات الأفعال ثم لما ازداد يقيناً ترك الصفات فقال وأعوذ بك منك قاصراً نظره على الذات وابتدأ بعض العلماء في ذكر هذا الحديث بتقديم الاستعاذة بالمعافاة على التعوذ بالرضى للترقي من الأدنى الذي هو من صفات الأفعال إلى الأعلى الذي هو صفات الذات قال بعضهم : من بقى له التفات إلى غير الله استعاذ بأفعال الله وصفاته فأما من توغل في بحر التوحيد بحيث لا يرى في الوجود إلا الله لم يستعذ إلا بالله ولم يلتجىء إلا إلى الله والنبي عليه السلام ، لما ترقى عن هذا المقام وهو المقام الأول قال أعوذ بك منك.([12])

(3) أما تكرار ، (النَّاسِ) : فإما لمشابهة رؤوس الآى كغيرها من السور ، أو لأن الأوصاف الثلاثة أتى بها عطف بيان كقولك : الفاروق أبو حفص عمر ، لقصد البيان فكان التصريح بلفظ “الناس ” أصرح في البيان من الضمائر.وخص ” الناس ” بذلك : لأن غيرهم لا يدعى الربوبية ، والملك ، والألوهية فبين أنه إله من قد يوصف بذلك ، فغيرهم أولى بأنه إلههم. والله تعالى أعلم ، وله الحمد والشكر.([13])

(4) قيل وجه التكرير لفظ الناس ان المراد بالناس الأول الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه وبالثاني الشاب المجاهدين فى سبيل اللّه ولفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه وبالثالث الشيوخ المنقطعين إلى اللّه تعالى ولفظ الإله المنبئ عن العبادة يدل عليه وبالرابع الصالحون إذا الشيطان حريص على عداوتهم وبالخامس المفسدون لعطفه على معوذ منه وفى ذكر أطفال المؤمنين والرجال الصالحين استجلاب للرحمة واستدفاع للعذاب قال رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لو لا رجال ركع وأطفال وضع وبهائم رتع نصب عليكم صبا رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي رحمهم الله تعالى من حديث أبى هريرةرضي الله تعالى عنه؛ وله شاهد مرسل أخرجه أبو نعيم عن الزهري رحمهما الله تعالى وقال اللّه تعالى لو لا رجال مومنون ونساء مومنات لم تعلموهم الآية.([14])

 الفوائد 

اعلم! أن من فوائد الآيات الكريمات:  أنها تضمنت معاني أسمائه الحسنى أما تضمنها لمعاني

أسمائه الحسنى فإن الرب هو القادر الخالق الباريء المصور الحي القيوم العليم السميع البصير المحسن المنعم الجواد المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويسعد من يشاء ويشقي ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى، وأما الملك فهو الآمر الناهي المعز المذل الذي يصرف أمور عباده كما يحب ويقلبهم كما يشاء وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز الجبار الحكم العدل الخافض الرافع المعز المذل العظيم الجليل الكبير الحسيب المجيد الوالي المتعالي مالك الملك المقسط الجامع إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك

وأما الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال فيدخل في هذا الإسم جميع الأسماء الحسنى ولهذا كان القول الصحيح أن الله أصله الإله كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم وأن اسم الله تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى فقد تضمنت هذه الأسماء الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى فكان المستعيذ بها جديرا بأن يعاذ ويحفظ ويمنع من الوسواس الخناس ولا يسلط عليه.

(ومنها) أنه كرر الناس خمس مرات قيل كرر تبجيلا لهم على ما سبق وقيل كرر لانفصال كل آية من الأخرى لعدم حرف العطف وقيل المراد بالأول الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه وبالثاني الشبان ولفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه وبالثالث الشيوخ ولفظ إله المنبئ عن العبادة يدل عليه وبالرابع الصالحون والأبرار والشيطان يولع بإغوائهم وبالخامس المفسدون والأشرار وعطفه على المتعوذ منهم يدل على ذلك خطاب لهما قبل الدخول وما في البقرة بعد الدخول الموصوف في الثانية أكتفاء وما أسألكم عليه من أجر لذكرها في مواضع .

(ومنها) وجوب الاستعاذة بالله تعالى من شياطين الإِنس والجن .وتقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته عز وجل . وبيان لفظ الاستعاذة وهو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما بيّنته السنة الصحيحة إذ تلاحى رجلان في الروضة النبوية فقال النبي صلى الله عليه وسلم « إني أعلم لو قالها هذا لذهب عنه أي الغضب : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ».

(ومنها)  أنّه فرق بين نفس الالتجاء الاعتصام وبين طلب ذلك ، فلما كان المستعيذ هارباً ملتجئاً معتصماً بالله أتى بالفعل الدال على ذلك فقال ( أعوذ ) دون الفعل الدال على طلب ذلك ، و لا ضير أن يأتي بالسين . فيقول : استعيذ بالله أي أطلب منه أن يعيذني ، ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء الهرب إليه . فالأول مخبر عن حاله وعياذه بربه وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه . والثاني : طالب سائل من ربه أن يعيذه كأنه يقول : أطلب منك أن تعيذني فحال الأول أكمل.والله سبحانه وتعالى أعلم.

الثانية: تحقيق  الآيات الكريمات:(4-5-6)

 الأول: المناسبة بين الآيات الكريمات 

إعلم!أنّه لما علّمنا اللَّه تعالى في هذه السورة رحمة بنا كيفية الاستعاذة من شياطين الإنس والجن، وعرفنا أنه بصفاته الثلاث: الربوبية، والملك، والألوهية، يحمي المستعيذ من شرور الشيطان وأضراره في الدين والدنيا والآخرة؛ ثم أبان موضع وسوسته، فقال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ أي الذي يلقي خواطر السوء والشرّ في القلوب، وإنما ذكر الصدور لأنها تحتوي على القلوب، والخواطر محلها القلب، كما هو المعهود في كلام العرب، ثم بيّن اللَّه تعالى أن الذي يوسوس نوعان: جني وإنسي، فقال:”مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ” أي أن ذلك الموسوس إما شيطان الجن، فيوسوس في صدور الناس، كما تقدم،  وإما شيطان الإنس، ووسوسته في صدور الناس:أنه يري نفسه كالناصح المشفق، فيوقع في الصدر كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة، فيجعله فريسة وسوسة الشيطان الجني.(ملخص التفاسير).

 الثاني: تفسير الآيات الكريمات 

{مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ }

الف:- قوله تعالى:”مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ” أي مِنْ شر الْوسْواس ” الشَّيْطَان سُمِّيَ بِالْحَدَثِ لِكَثْرَةِ مُلابَسته لَهُ ” الْخَنَّاس ” لِأَنَّهُ يَخْنِس وَيَتَأَخر عَن الْقَلْب كُلَّما ذُكِرَ اللَّه ([15]) وهو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال ، والمراد به شيطان سمي بالمصدر كأنه وسوس في نفسه ، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه أو أريد ذو الوسواس والوسوسة الصوت الخفي ، ويقال لحس الصائد ، والكلاب ، وأصوات الحلي : وسواس. “والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم”. كما في الصحيح فهو الذي يوسوس بالذنب سراً ليكون أحلى ، ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى يوقع الإنسان ، فإذا أوقعه وسوس لغيره إن فلاناً فعل كذا حتى يفضحه بذلك ، فإذا افتضح ازداد جراءة على أمثال ذلك كأنه يقول : قد وقع ما كنت أحذر من إيقاعه فلا يكون شيء غير الذي كان فيجترئ على الذنب.

ولما كان الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل دواء غير السأم وهو الموت ، وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره تعالى فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه ، وصف سبحانه الموسوس عند استعماله الدواء بقوله تعالى : {الخناس} ، أي : الذي عادته أن يخنس ، أي : يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرّة بعد مرّة كلما كان الذكر خنس وكلما بطل عاد إلى وسواسه ، فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد فهو شديد النفور منه ، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً كما حكي عن بعض السلف أنّ المؤمن يضني شيطانه كما يضني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة رضي الله تعالى عنه: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب ، وقيل : كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان ، فإذا ذكر العبد ربه خنس ، ويقال : رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ، فإذا ذكر الله تعالى خنس ورجع ووضع رأسه ([16])

ب:- قوله تعالى: ” الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ” أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع.([17])

 قال مقاتل رحمه الله تعالى: إن الشيطان في صورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، سلطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ]. وهذا يصحح ما قاله مقاتل رحمه الله تعالى. وروى شهر بن حوشب عن أبي ثعلبة الخشني رحمهم الله تعالى قال: سألت الله أن يريني الشيطان ومكانه من ابن آدم فرأيته، يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده، غير أن له خطما كخطم الكلب، فإذا ذكر الله خنس ونكس، وإذا سكت عن ذكر الله أخذ بقلبه. فعلى، ما وصف أبو ثعلبة أنه متشعب في الجسد، أي في كل عضو منه شعبة. وروي عن عبد الرحمن بن الأسود أو غيره من التابعين رحمهم الله تعالى أنه قال- وقد كبر سنه-: ما أمنت الزنى وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكره فيوتده! فهذا القول ينبئك أنه متشعب في الجسد، وهذا معنى قول مقاتل رحمه الله تعالى. ووسوسته: هو الدعاء لطاعته بكلام خفي، يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت.([18])

ج:- قوله تعالى: “مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ” عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } قَالَ : إِنَّ مِنَ النَّاسِ شَيَاطِينُ , وَمِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينُ , فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ , وَالْجِنِّ.([19])

أن من بيانية أي هذا الذي يوسوس في صدور الناس،هو من شياطين الجن والإنس ، كقوله تعالى{ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا }،فالآية إستعاذة من شر الإنس والجن جميعا، ولا شك أن شياطين الإنس،أشد فتكا وخطرا من شياطين الجن، فإن شيطان الجن يخنس بالإستعاذة ، وشيطان الإنس يزين لصاحبه الفواحش ، ويغريه بالمنكرات، ولا يثنيه عن عزمه شيء ، والمعصوم من عصمه الله.([20])

 الثالث:النكت الوافية 

 (1) إعلم!أنّ التشريف بالإضافة  “من شر الوسواس” هو اسم بمعنى الوسوسة وهى الصوت الخفى كالزلزال بمعنى الزلزلة وأما المصدر فبالكسر والمراد به الشيطان سمى بفعله مبالغة كأنه نفس الوسوسة “الخناس” الذى عادته أن يخنس أى يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه .([21])

(2) قال مقاتل رحمه الله تعالى: إن الشيطان في سورة خنزير , يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه , سلَّطه الله على ذلك , فذلك قوله تعالى : {الَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} , وقال صلى الله عليه وسلم : ” إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَم” رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.قال القرطبي رحمه الله تعالى : ” ووسوسته : هو الدعاء إلى طاعته , حتى يصل به إلى القلب , من غير صوت “.([22])

(3) قوله تعالى:” لَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ” يعني بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع ، والمراد بالصدر القلب مِنَ الْجِنَّةِ يعني الجن وَالنَّاسِ وفي معنى الآية وجهان : أحدهما : أن الناس لفظ مشترك بين الجن والإنس ، ويدل عليه قول بعض العرب جاء قوم من الجن ، فقيل من أنتم قالوا أناس من الجن ، وقد سماهم اللّه تعالى رجالا في قوله يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فعلى هذا يكون معنى الآية أن الوسواس الخناس يوسوس للجن كما يوسوس للإنس.

الوجه الثاني : أن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة ، وهم الجن وقد يكون من الإنس ، فكما أن شيطان الجن قد يوسوس للإنسان تارة ، ويخنس أخرى ، فكذلك شيطان الإنس قد يوسوس للإنسان كالنّاصح له فإن قبل زاد في الوسوسة ، وإن كره السامع ذلك انخنس وانقبض فكأنه تعالى أمر أن يستعاذ به من شر الجن والإنس جميعا.([23])

(4) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أحدث (3) نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة”.([24])

(5) أنّ المعنى : قل أعوذ برب الناس من شر الوسواس ، الذي هو من الجنة ، ومن شر الناس. فعلى هذا أمر بأن يستعيذ من شر الإنس والجن. والجنة : جمع جني ؛ كما يقال : إنس وإنسي. والهاء لتأنيث الجماعة. وقيل : إن إبليس يوسوس في صدور الجن ، كما يوسوس في صدور الناس. فعلى هذا يكون “فِي صُدُورِ النَّاسِ” عاما في الجميع. و “مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ” بيان لما يوسوس في صدره. وقيل : معنى “مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ” أي الوسوسة التي تكون من الجنة والناس ، وهو حديث النفس. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : “إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به” . رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، مسلم.([25])

(6) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، في قوله( الْوَسْوَاسِ ) قال: هو الشيطان يأمره،

 فإذا أطيع خنس .والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به من شرّ شيطان يوسوس مرّة ويخنس أخرى، ولم يخصَّ وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه دون وجه، وقد يوسوس بالدعاء إلى معصية الله، فإذا أطيع فيها خَنَس، وقد يوسوس بالنَّهْي عن طاعة الله فإذا ذكر العبدُ أمر ربه فأطاعه فيه، وعصى الشيطان خنس، فهو في كلّ حالتيه وَسْواس خَناس، وهذه الصفة صفته.([26])

 الفوائد 

اعلم! أن من فوائد الآيات الكريمات: أنّ هذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي وهو الشر الداخل في الإنسان الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة، فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من ظلم الغير بالسحر والحسد وهو شر من خارج، وسورة الناس تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه، وهو شر من داخل، فالشر الأول لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه؛ لأنه ليس من كسبه.

والشر الثاني الذي في سورة الناس يدخل تحت التكليف، ويتعلق به النهي فهذا شر المعائب،

والأول شر المصائب والشر كله يرجع إلى العيوب والمصائب ولا ثالث لهما. فتضمنت سورة الناس الاستعاذة من شر العيوب كلها؛ لأن أصلها كلها الوسوسة وِأصل الوسوسة الحركة، أو الصوت الخفي الذي لا يحس فيتحرز منه.

(ومنها) أنّ الوسواس: هوالإلقاء الخفي في النفس أما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه وأما بغير صوت كما يوسوس الشيطان العبد. والوساوس الخناس: وصفان لموصوف محذوف، وهو الشيطان، فالوسواس الشيطان؛ لأنه كثير الوسوسة وأما الخناس: فهو فعّال من خنس يخنس إذا توارى واختفى، فإن العبد إذا أغفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان، وبذر فيه الوسواس التي هي أصل الذنوب كلها، فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس والانخناس تأخر ورجوع معه اختفاء ،قال قتادةرضي الله تعالى عنه : الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس .

(ومنها)  أنّه في أثر عن بعض السلف: ((أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في السفر؛ لأنه كلما اعترضه صبَّ عليه سياط الذكر والتوجه والاستغفار والطاعة، فشيطانه معه في عذاب شديد. وأما شيطان الفاجر فهو معه في راحة ودعة، ولهذا يكون قويًا عاتيًا شديدًا فمن لم يعذب شيطانه في هذ هالدار بذكر الله وتوحيده وطاعته، عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار، فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه أو يُعذبه شيطانه، وتأمل كيف جاء بناء الوسواس مكررًا لتكريره الوسوسة الواحدة مرارًا، حتى يعزم عليها العبد. وجاء بناء الخناس على وزن الفعّال الذي يتكرر منه نوع الفعل؛ لأنه كلما ذكر الله انخنس فإذا غفل العبد عاد بالوسوسة فجاء بناء اللفظين مطابقًا لمعنييهما.

(ومنها)  أنّه لا يزال الشيطان بالعبد يقوده إلى الذنب وينظم شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة.فأصلُ كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة فلهذا وصفه بها؛ ليكون الاستعاذة من شرها أهم، وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضًا فمن شره أنه لص سارق لأموال الناس فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله عليه فله فيه حَظًا بالرسقة والخطف، وكذلك يبيت في البيت الذي لم يذكر فيه اسم الله فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم ويبيت في بيوتهم بغير أمرهم،ويدل على عوراتهم فيأمر العبد بالمعصية ثم يلقي في قلوب أعدائه يقظة ومنامًا أنه فعل كذا وكذا،  ومن هذا أن العبد يفعل الذنب لا يطلع عليه – إلا الله – أحدٌ من الناس فيصبح والناس يتحدثون به، وما ذاك إلا لأن الشيطان يجهده في كشف سرّه وفضيحته فيغترّ العبد ويقول هذا ذنب لم يره إلا الله ولم يشرع بأن عدوه ساع في إذاعته، وقل من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة. ومن شره أنه يعقد على رأس العبد إذا نام عقدة تمنعه من اليقظة كما في صحيح البخاري: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) الحديث، ومن شره أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح .

 (ومنها) أنّه لا يمكن حصر أجناس شره فضلا عن آحادها إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه ويكن ينحصر شره في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدا منها أو أكثر الشر الأول: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه وهو أول ما يريد من العبد فلا يزال به حتى يناله منه فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره وإستنابه على أمثاله وأشكاله فصار من دعاة إبليس ونوابه؛ فإذا يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه، نقله إلى المرتبة الثانية من الشر وهي البدعة وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي لأن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل ودعا إلى خلاف ما جاءوا به وهي باب الكفر والشرك فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضا نائبه وداعيا من دعائه؛  فإن أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر وهي الكبائر على اختلاف أنواعها فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها ولا سيما إن كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس عنه ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه إلى الله تعالى وهو نائب إبليس ولا يشعر فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها لا نصيحة منهم ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه كل ذلك لينفر الناس عنه وعن الإنتفاع به وذنوب هذا ولو بلغت عنان السماء أهون عند الله من ذنوب هؤلاء فإنها ظلم منه لنفسه إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته وبدل سيئاته حسنات وأما ذنوب أولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعورتهم وقصد لفضيحتهم والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس؛

 فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الرابعة وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها كما قال النبي إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض // صحيح // وذكر حديثا معناه أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة فطبخوا واشتووا ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالا منه؛

 فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الخامسة وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها؛  فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظا لوقته شحيحا به يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب، نقله إلى المرتبة السادسة وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه وقل من يتنبه لهذا من الناس فإنه إذا رأى فيه داعيا قويا ومحركا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان فإن الشيطان لا يأمر بخير ويرى أن هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابا من أبواب الخير إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيرا أعظم من تلك السبعين بابا وأجل وأفضل،

وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم ولا يعرف هذا إلا من كان من ورثة الرسول ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر بقلوبهم والله تعالى يمن بفضله على من يشاء من عباده؛

 فإن أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيا عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه ليشوش عليه قلبه ويشغل بحربه فكره وليمنع الناس من الإنتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه ولا يفتر ولا يني فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت ومتى وضعها أسر أو أصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله تعالى.

ومنها: ماقيل لسهل رحمه الله تعالى : ما الوسوسة؟ فقال : كل شيء دون اللّه تعالى فهو وسوسة ، وإن القلب إذا كان مع اللّه تعالى فهو قائل عن اللّه تعالى ، وإذا كان مع غيره فهو قائل مع غيره. ثم قال : من أراد الدنيا لم ينج من الوسوسة ، ومقام الوسوسة من العبد مقام النفس الأمارة بالسوء ، وهو ذكر الطبع ، فوسوسة العدو في الصدور ، كما قال : {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (5- 6) يعني في صدور الجن والإنس جميعا ، ووسوسة النفس في القلب. قال اللّه تعالى : {وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق :16)وإن معرفة النفس أخفى من معرفة العدو،ومعرفة العدو أجلى من معرفة الدنيا ، وأسر العدو معرفته ، فإذا عرفته فقد أسرته ، وإن لم تعرف أنه العدو وأسرك فإنما مثل العبد والعدو والدنيا كمثل الصياد والطير والحبوب ، فالصياد إبليس ، والطير العبد ، والحبوب الدنيا ، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع ، فإن كنت صائما فأردت أن تفطر قال لك : ما يقول الناس ، أنت قد عرفت بالصوم تركت الصيام. فإن قلت : مالي وللناس. قال لك : صدقت أفطر ، فإنهم سيضعون أمرك على الحسبة والإخلاص في فطرك ، وإن كنت عرفت بالعزلة فخرجت. قال : ما يقول الناس ، تركت العزلة. فإن قلت : مالي وللناس. قال : صدقت اخرج فإنهم سيضعون أمرك على الإخلاص والحسبة. وكذلك في كل شيء من أمرك ، يردك إلى الناس حتى كأنه ليأمرك بالتواضع للشهرة عند الناس.

(ومنها) ما قال سهل رحمه الله تعالى : عليك بالإخلاص تسلم من الوسوسة ، وإياك والتدبير فإنه داء النفس ، وعليك بالاقتداء فإنه أساس العمل ، وإياك والعجب فإن أدنى باب منه لم تستتمه حتى تدخل النار ، وعليك بالقنوع والرضا ، فإن العيش فيهما ، وإياك والائتمار على غيرك ، فإنه لينسيك نفسك ، وعليك بالصمت ، فأنت تعرف الأحوال فيه ، وعليك بترك الشهوات تنقطع به عن الدنيا ، وعليك بسهر الليل تموت نفسك من ميلة طبعك وتحيي قلبك ، وإذا صليت فاجعلها وداعا ، وخف اللّه يؤمنك ، وارجه يؤملك ، واتكل عليه يكفك ، وعليك بالخلوة تنقطع الآفات عنك. ولقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لو لا مخافة الوسواس لرحلت إلى بلاد لا أنيس بها ، وهل يفسد الناس إلا الناس. فمخالطة الولي بالناس ذل ، وتفرده عزّ ، وما رأيت أولياء اللّه تعالى إلا منفردين ،كما في تفسير التستري ، ص : 212).

(ومنها) أنّه لما كان الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل دواء غير السأم وهو الموت ، وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره تعالى فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه ، وصف سبحانه الموسوس عند استعماله الدواء بقوله تعالى : {الخناس} ، أي : الذي عادته أن يخنس ، أي  يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرّة بعد مرّة كلما كان الذكر خنس وكلما بطل عاد إلى وسواسه ، فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد فهو شديد النفور منه ، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً كما حكي عن بعض السلف أنّ المؤمن يضني شيطانه كما يضني الرجل بعيره في السفر.

(ومنها) ماقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: الوسوسة بذر الشيطان فإن لم تعطه أرضا وماء ضاع بذره ،  وإن اعطيته الأرض والماء بذر فيه الشيطان ، فسئل ما الأرض والماء ؟ فقال:الشبع ارضه  والنوم ماؤه.وقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: إنما هو جسم ، وروح ، وقلب ، وصدر ، وشغاف ، وفؤاد .   فالجسم بحر الشهوات ، قال الله تعالى : !{ إن النفس لأمارة بالسوء } !( يوسف: 53).والروح بحر المناجاة.والصدر بحر الوسواس ،قال الله تعالى:!( الذي يوسوس في صدور الناس )!(الآية:5).والشغاف بحر المحبة ، قال الله تعالى : ! {قد شغفها حبا }!( يوسف : 30 ).والفؤاد بحر الرؤية . وقال أبو عمرو النجاري رحمه الله تعالى ، اصل الوسوسة ونتيجتها من عشرة أشياء : أولها : الحرص  فقابله بالتوكل والقناعة . والثانية : الأمل . فاكسره بمفاجأة الأجل . والثالثة : التمتع  بشهوات الدنيا فقابله بزوال النعم وطول الحساب . والرابعة الحسد فاكسره برؤية  العدل . والخامسة : البلاء فاكسره برؤية المنة والعوافي . والسادسة : الكبر فاكسره بالتواضع . والسابعة : الاستخفاف بحرمة المؤمنين فأكسره بتعظيم حرمتهم . والثامنة :  حب الدنيا ، والمحمدة من الناس فاكسره بالإخلاص ، والتاسعة ، طلب العلو والرفعة  فاكسره بالخشوع ، والعاشرة : البخل والمنع فاكسره بالجود والسخاء.

(ومنها) أنّ علاج وسوسته بثلاثة أشياء . واحدها : الإكثار من ذكر الله . وثانيها : الإكثار من الاستعاذة بالله منه ومن أنفع شيء في ذلك قراءة هذه السورة . وثالثها : مخالفته والعزم على عصيانه .

(ومنها) أنّه سلط اللّه تعالى الشيطان على الناس إلا من عصمه اللّه، للمجاهدة والفتنة والاختبار، ثبت في الحديث الصحيح أنه: «ما منكم من أحد إلا وكّل به قرينه، قالوا: وأنت يا رسول اللّه؟ قال: نعم إلا أن اللّه أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير». لكن ينبغي أن ندرك أن وسوسة الشيطان ليست قهرية، وإنما بسبب استجابة الإنسان واختياره لها، فقد يختار الإصغاء لوسوسة الشياطين، وقد يحذر عداوتهم ووسوستهم، كما جاء في آية أخرى: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} (الإسراء: 17/ 65).

(ومنها) أن الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين :

أ – إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه ، ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها وهو أعظم الشرين وأدومهما وأشدهما اتصالاً بصاحبه و هذا سببه الوسوسة من شياطين الإنس و الجن و هذا ما تضمنته سورة الناس .

ب – وإما شر واقع به من غيره ، وذلك الغير إما مكلف ، أو غير مكلف ، والمكلف إما نظيره وهو الإنسان ، أو ليس نظيره وهو الجني وغير المكلف مثل الهوام وذوات الحمى وغيرها و هذا ما تضمنته سورة الفلق .فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذة .

 (ومنها) أنّ  ” الخناس ” جيء من هذا الفعل بوزن فعال الذي للمبالغة دون الخانس والمنخنس إيذاناً بشدة هروبه ورجوعه وعظم نفوره عند ذكر الله . وأن ذلك دأبه وديدنه لا أنه يعرض له ذلك عند ذكر الله أحياناً . بل إذا ذكر الله هرب وانخنس وتأخر . فإن ذكر الله هو مقمعته التي يقمع بها كما يقمع المفسد والشرير بالمقامع التي تردعه من سياط وحديد وعصي ونحوها . فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه كالسياط والمقامع التي تؤذي من يضرب بها . فمن لم يعذب شيطانه في هذه الدار بذكر الله تعالى وتوحيده واستغفاره وطاعته عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار ، فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه أو يعذبه شيطانه .

(ومنها)  قد ذكرنا في أول سورة البقرة أن أصل ناس عند سيبويه أناس فحذفت فاؤه وعند غيره لم يحذف منه شيء وأصله نوس لقولهم في التصغير نويس  وقال قوم أصله نيس مقلوب عن نسي أخذوه من النسيان وفيه بعد قال تعالى { من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس } و { الوسواس } بالفتح اسم وبالكسر المصدر والتقدير من شر ذي الوسواس وقيل سمي الشيطان بالفعل مبالغة و { الخناس } نعت له، و { الذي يوسوس } يحتمل الرفع والنصب والجر، قال تعالى { من الجنة والناس } ،قوله تعالى { من الجنة } هو بدل من شر بإعادة العامل أي من شر الجنة وقيل هو بدل من ذي الوسواس لأن الموسوس من الجن ،وقيل هو حال من الضمير في يوسوس أي يوسوس وهو من الجن ، وقيل هو بدل من الناس أي في صدور الجنة ،وجعل { من } تبيينا وأطلق على الجن اسم الناس لأنهم يتحركون في مراداتهم ،والجن والجنة بمعنى وقيل { من الجنة } حال من الناس أي كائنين من القبيلين، وأما { الناس } الأخير فقيل هو معطوف على ذي الوسواس أي من شر القبيلين وقيل هو معطوف على الجنة.

(ومنها) أنّه قيل إن حروف هذه السورة غير المكرر اثنان وعشرون حرفا وكذا حروف الفاتحة وذلك بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن فليراجع ، وبعد أن يوجد الأمر كما ذكر لا يخفى أن كون سني النزول اثنتين وعشرين سنة قول لبعضهم. والمشهور أنها ثلاث وعشرون اه. ومثل هذا الرمز ما قيل إن أول حروفه الباء وآخرها السين كأنه قيل «بس» أي حسب ففيه إشارة إلى أنه كاف عما سواه ورمز إلى قوله تعالى {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام : 38). وقد نظم ذلك بعض الفرس فقال :  أول وآخر قرآن زجه با آمد وسين يعني اندر دو جهان رهبر ما قرآن بس.

 (ومنها) بيان بعض الرموز :أنّ الرموز كثير لكن قيل لا ينبغي أن يقال إنه مراد اللّه عز وجل. نعم قد أرشد عز وجل في هذه السورة إلى الاستعانة به تعالى شأنه كما أرشد جل وعلا إليها في الفاتحة بل لا يبعد أن يكون مراده تعالى على القول بأن ترتيب السور بوحيه سبحانه من ختم كتابه الكريم بالاستعاذة به تعالى من شر الوسواس الإشارة كما في الفاتحة إلى جلالة شأن التقوى والرمز إلى أنها ملاك الأمر كله وبها يحصل حسن الخاتمة ، فسبحانه من ملك جليل ما أجل كلمته وللّه در التنزيل ما أحسن فاتحته وخاتمته. وقد ختمت السورة بما بدئت به ، والمعنى الثاني أوفق برد آخرها على أولها فإنه يكون شرحاً للناس الذين أضيفت لهم الصفات العلى.

 (ومنها) أنّ الخواطر الواردة على الإنسان قد تكون وسوسة ، وقد تكون إلهاماً ، والإلهام تارة يكون من الله بلا واسطة ، وتارة يكون بواسطة الملك ، ويكون كل منها في القلب ، والوسوسة تارة من الشيطان ، وأخرى من النفس ، وكلاهما يكون في الصدر ، فإن كان الإنسان مراقباً دفع عن نفسه الضار ، وإلا هجمت الواردات عليه وتمكنت منه ويتميز خير الخواطر من شرها بقانون الشرع على أن الأمر مشكل ، فإن الشيطان يجتهد في التلبيس ، فإن وافق الشرع فلينظر ، فإن كان فعله ذلك الحين أولى من غير تفويت لفضيلة أخرى هي أولى منه بادر إليه وإن كان الخاطر دنيوياً وأدى الفكر إلى أنه نافع من غير مخالفة للشرع زاد على شدة تأملهالاستشارة لمن يثق بدينه وعقله ،  ثم الاستخارة لاحتمال أن تتوافق عليه العقول ، ويكون فيه خلل لتقصير وقع في النظر ، وقد جعل بعضهم قانون الخاطر الرحماني أن ينشرح له الصدر ويطمئن إليه النفس ، والشيطاني والنفسي ان ينقبض عنده الصدر وتقلق النسف بشهادة الحديث النبوي في البر والإثم ، ويعرف الشيطاني بالحمل على مطلق المخالفة ، فإن الشيطان لا غرض له في مخالفة بعينها ، فإن حصل أذكر زال ذلك ، والنفساني ملزوم شيء بعينه سواء كان نفعاً أو ضراً ، ولا ينصرف عنه بالذكر ،

(ومنها) أنّه قد يكون الشيطان إنسياً من أزواج وأولاد ومعارف ، وربما كان أضر من شيطان الجن ، فدواؤه المقاطعة والمجانبة بحسب القدرة ، ومن أراد قانوناً عظيماً لمن يصاحب ومن يجانب فعليه بآية الكهف77  {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من إغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً} .( الكهف : 28 ). وكون الإنس يوسوس لا شك في ذلك، وكون الجني يوسوس لا شك في ذلك، لكن وسوسة شيطان الجن أعظم من شيطان الإنس، وكما قال فريق من أهل العلم: إن شيطان الإنس يدفع بأمور لا يدفع بها شيطان الجن، فشيطان الإنس إذا أكرمته ببعض الكرامات في الدنيا، وأعطيته بعض الأموال، قد يسكت عنك كما قال تعالى: { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (فصلت:34)، فقد تعطيه مالاً أو تتكلم معه بكلمة طيبة، أو تتنازل عن جزء من مالك فيسكت عنك، أما شيطان الجن فلا يرضى منك إلا بالكفر والعياذ بالله. قد علّمنا اللَّه تعالى في هذه السورة رحمة بنا كيفية الاستعاذة من شياطين الإنس والجن ، وعرفنا أنه بصفاته الثلاث : الربوبية ، والملك ، والألوهية ، يحمي المستعيذ من شرور الشيطان وأضراره في الدين والدنيا والآخرة. ومعنى الربوبية يدل على مزيد العناية،فنوضح بعونه تعالى حروزشرعية من الشيطان.

حروز شرعية من الشيطان 

إعلم!أنّه قد ذكر العلماء رحمهم الله جملة حروز يُحترز بها من الشيطان:نعم أولها وأعظمها: ذكر الله عز وجل والاستعانة به سبحانه, وقد ورد في حديث الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها )، فذكر من الخمس الكلمات ( وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم )، فذكر الله للعبد بمثابة الحصن، فالشيطان يفر عند ذكر الله سبحانه وتعالى، ويقبل على العبد ويجثم على صدره إذا هو غفل عن ذكر الله سبحانه وتعالى.

ومن الحروز: التعوذات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله: { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } (المؤمنون:97-98) وقراءة المعوذتين مع سورة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } (الإخلاص:1) وقراءة الآيتين -الأخيرتين- من سورة البقرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ هاتين الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه ) قال فريق من العلماء: كفتاه من الشيطان، وقيل: كفتاه عن قيام الليل،  وثم أقوال أخر، ومن ذلك قول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، إذا نزلت منزلاً، وقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاثاً صباحاً وثلاثاً مساء، فلا يضرك شيء حتى تمسي وحتى تصبح.

ومن الحروز: صلاة أربع ركعات أول النهار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل: يا ابن آدم! اركع لي أربع ركعات أول النهار أكفك آخره، ). وادفع الوساوس عن إخوانك فلا تقف في مواقف الشبهات، فإنها يدخل منها إبليس إلى قلوب إخوانك فيظنون بك ظن السوء، ولذلك لما كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً مع صفية بنت حيي فرآه رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: ( على رسلكما إنها صفية بنت حيي . فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا أو قال شيئاً ).

ومن الحروز: الانتهاء عن الاسترسال في الفكر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ حتى يقول له: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا بلغ ذلك أحدكم فليستعذ بالله، ولينته )، وفي رواية ( فليقل: { اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } (الإخلاص:1-4)).

 ومن الحروز: أن تمسح على صدرك وتقول باسم الله (ثلاثاً)، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبعاً)، وقد جاء عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو إليه وجعاً يجده في صدره منذ أسلم، فقال: ( ضع يدك على الذي تألم، وقل: باسم الله (ثلاثاً)، وأعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبعاً) ).

ومن الحروز: سجود السهو حتى لا يسترسل معك الشيطان بعد ذلك، ويفسد عليك عبادتك، قال عليه الصلاة والسلام: ( فإذا سها أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين قبل أن يسلم )وفي بعض الروايات أنه سجدها بعد أن سلم صلى الله عليه وسلم، وقال: ( كانتا ترغيماً للشيطان ).  فذكر الله عند الدخول وعند الخروج، ومسح الجسد باليد بعد قراءة المعوذات، هذه كلها حروز نافعة بإذن الله، ولا تحتاج معها أن تذهب إلى من يعالج، ويخلط الرجال بالنساء، ولا غير ذلك.

 (ومنها) أنّه كما رجع مقطعها على مطلعها كذلك كان من المناسبات العظيمة مناسبة معناها للفاتحة ليرجع مقطع القرآن على مطلعه ، ويلتحم مبدؤه بمرجعه على أحسن وجه ، فنظر هذه السورة إلى الفاتحة والتحامها بها من جهة أن الفاتحة اشتملت على ثلاثة أسماء : الله والرب والملك ، وزادت بكونها أم القرآن بالرحمن الرحمي ، لاشتمالهما على جميع النعم الظاهرة والباطنة التي تضمنتها صفة الربوبية ، وسورة الناس على الرب والملك والإله الذي هو الأصل في اسم الجلالة ، واختصت الفاتحة بالاسم الذي لم يقع فيه شركة أصلاً ، فلما تقرر في جميع القرآن أنه الإله الحق ، وأنه لا شركة لغيره في الإلهية يحق بوجه من الوجوه كما أنه لا شركة في الاسم الأعظم الذي افتتح به القرآن أصلاً بحق ولا بباطل ، ختم القرآن الكريم به معبراً عنه بالغله لوضوح الأمر وانتفاء اللبس بالكلية ،

وصار الاختتام مما كان به الافتتاح على الوجه الأجلى والترتيب الأولي ، وبقي الاسمان الآخران على نظمهما، فيصير النظم إذا ألصفت آخر الناس بأول الفاتحة(إله ملك رب الله رب -رحمن رحيم ملك) إعلاماً بأن مسمى الأسم الأعظم هو الإله الحق ، وهو الملك الأعظم لأنه له الإبداع وحسن التربية والرحمة والعامة والخاصة ،

(ومنها) أنّ حاصل سورة الناس الاستعاذة بهذا الرب الموصوف من وسوسة الصدر المثمرة للمقرابة كما أن حاصل سورة الفاتحة فراغ السر من الشواغل المتقضي لقصر الهمم عليه سبحانه وتعالى والبقاء في حضرته الشماء بقصر البقاء عليه والحكم بالفناء على ما سواه ، وذلك هو أعلى درجات المراقبة ،} ومن نقص من الأعمال شيئاً اعتماداً على أنه وصل فقد تزندق ، وكان مثله مثل شخص في بيت مظلم أسرج فيه سراجاً فأضاء ، فقال : ما أوقدت السراج إلا ليضيء البيت فقد أضاء ، فلا حاجة لي الآن إلى السراج ، فأطفأه فعاد الظلام كما كان ،  فإذا أراد الحق إعانة عبد حمله على الاستعانة بالاستعاذة فيسر عليه صدق التوكل ، فحينئذ يصير عابداً صادقاً في العبودية فيكون إله سمعه الذي يسمع ، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وينبغي أنه كلما زاده سبحانه وتعالى تقريباً ازداد له عبادة حتى ينفك من مكر الشيطان بالموت كما قال تعالى لأقرب خلقه إليه محمد ( صلى الله عليه وسلم )  {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر : 99). والله سبحانه وتعالى أعلم.

 بحث الوداع وآداب الختم وما يتعلق به 

 إعلم! إننا نذكر في توضيح هذا المبحث وجوه :- ألف:- في وقته قد تقدم أن الختم للقارئ وحده يستحب أن يكون في الصلاة وأنه قيل يستحب أن يكون في ركعتي سنة الفجر وركعتي سنة المغرب وفي ركعتي الفجر أفضل وأنه يستحب أن يختم ختمة في أول النهار في دور ويختم ختمة أخرى في آخر النهار في دور آخر وأما من يختم في غير الصلاة والجماعة الذين يختمون مجتمعين فيستحب أن تكون ختمتهم يقول أول النهار أو في أول الليل كما تقدم وأول النهار أفضل عند بعض العلماء.

 ب: –  يستحب صيام يوم الختم إلا أن يصادف يوما نهى الشرع عن صيامه وقد روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن طلحة بن مطرف وحبيب بن أبي ثابت والمسيب بن رافع التابعيين الكوفيين رضي الله عنهم أجمعين كانوا يصبحون في اليوم الذي يختمون فيه القرآن صياما.

ج:-  يستحب حضور مجلس ختم القرآن استحبابا متأكدا فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر الحيض بالخروج يوم العيد ليشهدن الخير ودعوة المسلمين

وروى الدارمي وابن أبي داود بإسنادهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يجعل رجلا يراقب رجلا يقرأ القرآن فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيشهد ذلك وروى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين عن قتادة التابعي الجليل صاحب أنس رضي الله عنه قال كان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا وروى بأسانيده الصحيحة عن الحكم بن عيينة التابعي الجليل قال قال أرسل إلي مجاهد وعتبة بن لبابة فقالا إنا أرسلنا إليك لأنا أردنا أن نختم القرآن والدعاء يستجاب عند ختم القرآن وفي بعض الروايات الصحيحة وأنه كان يقال أن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن وروى بإسناده الصحيح عن مجاهد قال كانوا يجتمعون عند ختم القرآن يقولون تنزل الرحمة .

 د: – يستحب إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقيب الختمة فقد استحبه السلف واحتجوا فيه بحديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال خير الأعمال الحل والرحلة قيل وما هما قال افتتاح القرآن وختمه. وروى عن ابن كثير رحمه الله انه كان اذا انتهى فى آخر الختمة الى قل اعوذ برب الناس قرأ سورة الحمد لله رب العالمين وخمس آيات من اول سورة البقرة على عدد الكوفى وهوالى واولئك هم المفلحون لان هذا يسمى حال المرتحل ومعناه انه حل فى قرآءته آخر الختمة وارتحل الى ختمة اخرى ارغاما للشيطان وصار العمل على هذا فى امصار المسلمين فى قرآءة ابن كثير وغيرها، وورد النص عن الامام احمد بن حنبل رحمه الله ان من قرأ سورة الناس يدعو عقب ذلك فلم يستحب ان يصل ختمه بقرآءة شئ وروى عنه قول آخر بالاستحباب واستحسن مشائخ العراق قرآءة سورة الاخلاص ثلاثا عند ختم القرءآن الا ان يكون الختم فى المكتوبة فلا يكررها.

 ومن أحكام الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، أي بالبداهة أن إنزال القرآن المجيد على نبي هذه الأمة الإسلامية قصد به العمل بكل ما جاء فيه من الأحكام والشرائع والعقائد والآداب والأخلاق والمواعظ، وأنه لا يكفي المسلّم أو المسلمة مجرد قراءته أو تلاوته للتعبد والبركة، وإنمامع ذلك للاستفادة بما جاء فيه، فهو دستور الأمة، ونظام حياة الفرد والجماعة، والرعية والدولة.

ه:- الدعاء مستحب عقيب الختم استحبابا متأكدا لما ذكرناه في المسألة التي قبلها وروى الدارمي بإسناده عن حميد الأعرج قال من قرأ القرآن ثم دعا أمن على دعائه أربعة آلاف ملك وينبغي أن يلح في الدعاء وأن يدعو بالأمور المهمة وأن يكثر في ذلك في صلاح المسلمين وصلاح سلطانهم وسائر ولاة أمورهم وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري بإسناده أن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن كان أكثر دعائه للمسلمين والمؤمنين والمؤمنات وقد قال نحو ذلك غيره فيختار الداعي الدعوات الجامعة كقوله * اللهم أصلح قلوبنا وأزل عيوبنا وتولنا بالحسنى وزينا بالتقوى واجمع لنا خير الآخرة والأولى وارزقنا طاعتك ما أبقيتنا * اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأعذنا من عذاب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال * اللهم إنا نسألك الهدى والتقوى والعفاف والغنى * اللهم إنا نستودعك أدياننا وأبداننا وخواتيم أعمالنا وأنفسنا وأهلينا وأحبابنا وسائر المسلمين وجميع ما أنعمت علينا وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة واجمع بيننا وبين أحبابنا في دار كرامتك بفضلك ورحمتك * اللهم أصلح ولاة المسلمين ووفقهم للعدل في رعاياهم والإحسان إليهم والشفقة عليهم والرفق بهم والاعتناء بمصالحهم وحببهم إلى الرعية وحبب الرعية إليهم ووفقهم لصراطك الذي المستقيم والعمل بوظائف دينك القويم *  ووفقهم لمصالح الدنيا والآخرة وحببه إلى رعيته وحبب الرعية إليه ويقول باقي الدعوات المذكورة في جملة الولاة ويزيد* اللهم أصلح أحوال المسلمين وأرخص أسعارهم وأمنهم في أوطانهم واقض ديونهم وعاف مرضاهم وانصر جيوشهم وسلم غيابهم وفك أسراهم واشف صدورهم وأذهب غيظ قلوبهم وألف بينهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك صلى الله عليه وسلم : وأوزعهم ن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم * اللهم اجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين به ناهين عن المنكر مجتنبين له محافظين على حدودك قائمين على طاعتك متناصفين متناصحين * اللهم صنهم لأن في أقوالهم وأفعالهم وبارك لهم في جميع أحوالهم ويفتح دعاءه ويختمه بقوله الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .

 التوصية النافعة

اعلم!انّ العالم في الوسط العلمي أن لا يستغنى بتفسير قديم عن تفسير آخر، لاختلاف مناهج المفسرين، وامتياز كل تفسير بميزة لا تتوافر في الآخر، فهذا في العقيدة، وهذا في الأحكام، وذاك في الآثار والروايات الكثيرة، وآخر في التأويل بالمعقول أو في العلوم الكونية، والكل يكمل بعضه بعضا،لذا وجب وضع تفسير شامل معتدل غير متطرف، يجمع بين مزايا التفاسير المختلفة وييسر على القارئ والتالي فهم الآيات الكريمة بدقة ووعي، ويحيط بكل ما هو ضروري يحقق مقاصد القرآن العظيم في العقيدة والعبادة والتشريع والآداب والأخلاق والسلوك القديم في الحياة،

ويفسر القرآن بالقرآن وبالسّنة الصحيحة والسيرة الثابتة، وهذا ما أوردته في هذا الكتاب، كما أردت بيان ما يستنبط من الآيات من أحكام شرعية مختلفة. بقي بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- في سورة البقرة ثمان سنين مثل ابن عمر رضي الله عنهما حتى يتعلمها فقال: (كنا لا نتجاوز الآية من القرآن حتى نحفظها ونفقهها ونعرف ما فيها من العلم والعمل)، أما الآن فإن الناس بالعكس، والتأدب بآداب القرآن وآداب حملة القرآن قبل تعليم الناس أحكام الحلال والحرام شيء هام، وإلا كان ذلك حجة لهذا الصاحب، ألا ترى أن بعض من تعلم وتفقه في الدين وأخذ الشهادة في ذلك يُضل ويَضل، ويقطع طريق الدعوة والخير على أهل الخير والدعوة، يأخذه الناس قدوة وحجة -والعياذ بالله- وإنما المعلم الذي نريد كريم النفس، واسع الصدر ، عظيم الصبر، متمكناً في قرآنه ، راسخاً في إيمانه داعية في سلوكه،أسوة في عمله وفي منطوقه ،ويحمل هموم مهمته، ويفهم واقع أمته فمهمته عظيمة، وعمله من أشرف الأعمال إذا أتقنه وأخلص لله تعالى فيه ، وربى الطلاب التربية الإسلامية الصحيحة ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عمه علي رضي الله عنه ، (( فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم )) متفق عليه .وقال صلى الله عليه وسلم : (( معلم الخير يستغفر له كل شيء ،حتى الحيتان في البحر)) صحيح رواه الطبراني وغيره, وإذا أهمل واجبه ، ووجه طلابه نحو الانحراف والمبادئ الهدامة ، والسلوك السيئ فعندها يشقي الطلاب ، ويشقي المعلم ، ويكون الوزر في عنقه ، وهو مسؤول أمام الله تعالى لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ” متفق عليه ، والمعلم راع في مدرسته . وهو المسؤول عن طلابه. وإذا أخذ الناس مجرد العلم بغير أدب، فهذه مصيبة تحل على الدعو، فلا بد من خشية الله، تقواه، ومن الإخلاص له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وبذل لهذا العلم في سبيله عز وجل،قال سهل بن عبدالله التستري رحمه الله : ( الناس موتى إلاّ العلماء ، والعلماء سكارى إلاّ العاملون ، والعاملون مغرورون إلاّ المخلصين ، والمخلصون على وجل حتى يُعلم ما يختم الله لهم به ) . ولهذا اتفقت العقول السليمة على أن هلاك الناس من ثلاثة أشخاص : نصف فقيه ، ونصف طبيب ، ونصف نحوي ، فالأول يفسد الأديان والثاني يفسد الأبدان والثالث يفسد اللسان ، نص على ذلك أهل العلم فلا هم بالجهل اعترفوا ، ولا بالعلم والتحقيق شرفوا ، فما يفسدون أكثر مما يصلحون ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله . ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وأسأل الله تعالى أن يصلح شأن عباده ، وأن يردهم إلى الحق رداً جميلا ، وأن يقينا شرور أنفسنا ، ولا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا ونسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يبارك لنا ولكم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

ولا أجد الآن خيرا من إهداء شيء من المدنية المنورة على صاحبها الف ألف صلوة وتحية،للمسلمين في كل مكان، وزمان؛

اولاً:- غير هذا الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الترمذي والدّارمي عن علي بن أبي طالب أمير

 المؤمنين رضي اللَّه عنه مرفوعا: «كتاب اللَّه تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللَّه، هو حبل اللَّه المتين، ونوره المبين، والذّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرّد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه، هدي إلى صراط مستقيم».

وثانيًا:- الالتزام مع اهل السنة والجماعة لأن هذه الطائفة الناجية المنحصرة في مذاهب الاربعة زبدة اعتقادا وقولا وعلما وعملا وخلقا وهديا ودعوة وجهادا، فاعتقادهم أسلم ومنهجهم أقوم، وعلمهم أحكم، وفقههم أفهم، وإنهم صفوة الله من خلقه بعد الرسل والأنبياء، فهم أنصار الله ورسوله، وهم أتباع النبيين، هم أولياء الله الأخيار، دعوتهم الصلاح والإصلاح بالتوحيد والسنة ومنهج النبوة، هم أهل الحق والطاعة، ويبذلون النصيحة لكل مسلم مهما كانت منزلته بالضوابط الشرعية والقواعد السنية، والطائفة المنصورة هم في الحقيقة ملح البلاد لا يحلو العيش بدونهم لأنهم أهل الله تعالى وخاصته، أينما يحلون أو يرتحلون ينزل عليهم الخير وتحيط بهم وطلبتهم البركة، وتصحبهم السلامة، وتظلهم العافية، فهم العاملون بالكتاب والسنة فهم الأبرار حقا والأطهار صدقا، بهم تستنصر الأمة على الأعداء لأنهم أهل التوحيد والمعتقد الصحيح، وهم المقدمون في صلاة الاستسقاء عند القحط والبلاء، لأنهم أهل استقامة وتقوى، ودعاءهم مستجاب ( كما قدم عمر العباس رضي الله عنهما)، فهم أعلم الناس بأسماء الله وصفاته وذاته وأفعاله وأقواله، وهم زينة المجالس، كلامهم يسطع منه نور

 العلم لأنه مقتبس من مشكاة النبوة، مازال الناس بخير ما صاحبوهم وكانوا معهم، وتعلموا منهم، وعرفوا منزلتهم ومكانتهم، وأخذوا عنهم في العلم والعمل والهدي والسمت، والطائفة المنصورة هم المستمسكون بالشرع القويم والقائمون بالحق المبين، فحجج الهدى منبعهم ، والعلم النافع والعمل الصالح طريقهم، والدعوة إلى الله وحده سبيلهم، وتحكيم شرعه وإقامة أمره ونهيه سجيتهم، والأخذ بأيدي الخلق إلى الجنة هدفهم، و رضا الله مبتغاهم، يقولون الحق بالبرهان، ولا يخافون في الله لومة لائم، ويجاهدون الأعداء المحاربين للدين والملة، ويستبسلون في مواطن البلاء بعد علمهم أن الفتن ستنجلي، ولا يثبت في الختام إلا الحق، و ما سوى ذلك يذهب جفاء وهباء منثورا.

وثالثا:- تهيّة للجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الله تعالى لأنّ طالب النفوذ إلى الله تعالى والدار الآخرة ، بل إلى كل علم وصناعة ورئاسة بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به،يحتاج أن يكون مجاهداً شجاعاً مِقْدَاماً حاكماً على وَهْمِه ، غير مَقْهور تحت سلطان تَخَيُّلِه، زاهداً في كل ما سوى مَطْلوبه ، عاشقاً لما توجَّه إليه ، عارفاً بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه ، مَقْدام الهمة ثابت الجأْش ، لا يَثْنِيه عن مطلوبه لَوْمُ لائم ، ولا عذل عاذل ، كثير السُّكُون ، دائمُ الفكر، غير مائل مع لذَّةِ المدح ، ولا ألم الذم ، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب مَعُوْنَتِه ، لا تَسْتَفزُّه المعارضات، شعاره الصبر ، وراحته التعب ، مُحِبّاً لمكارم الأخلاق ، حافظاً لوقته ، لا يخالط الناس إلا على حذر ، كالطائر الذي يلتقط الحب من بينهم ، قائماً على نفسه بالرغبة والرهبة ، طامعاً في نتائج الاختصاص على بني جنسه ، غير مرسِلٍ شيئاً من حواسِّه عبثاً، ولا مسرِّحاً خواطره في مراتب الكون ، ومِلاك ذلك هجر العوائد وقطع العلائق الحائلة بينك وبين المطلوب،

عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ أَوْ لَمْ يُعِنْ مُجَاهِدًا أَوْ لَمْ يَخْلُفْهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ ، أَصَابَتْهُ قَارِعَةٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْقَارِعَةُ هِيَ الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا الْمَرْءُ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا .وَفِي هَذَا بَيَانُ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ ، وَنَيْلِ الثَّوَابِ بِالْإِعَانَةِ لِلْمُجَاهِدِ ، وَعِظَمِ وِزْرِ مَنْ خَانَ الْمُجَاهِدَ فِي أَهْلِهِ .

وَكَأَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ الثَّلَاثَةَ يَعْنِي تَرْكَ الْجِهَادِ ، وَتَرْكَ إعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ ، وَالْخِيَانَةَ لِلْمُجَاهِدِ فِي أَهْلِهِ ، وَلَا تَجْتَمِعُ إلَّا فِي مُنَافِقٍ .وَالْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ لَائِقٌ بِحَقِّ الْمُنَافِقِينَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةٌ ، وَرَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي الْجِهَادُ } .

وَمَعْنَى الرَّهْبَانِيَّةِ هُوَ التَّفَرُّغُ لِلْعِبَادَةِ وَتَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلِ الدُّنْيَا .وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ بِالِاعْتِزَالِ عَنْ النَّاسِ وَالْمُقَامِ فِي الصَّوَامِعِ فَقَدْ كَانَتْ الْعُزْلَةُ فِيهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الْعِشْرَةِ .ثُمَّ نَفَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ : { لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ }.وَبَيَّنَ طَرِيقَ الرَّهْبَانِيَّةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْجِهَادِ ، لِأَنَّ فِيهِ الْعِشْرَةَ مَعَ النَّاسِ ، وَالتَّفَرُّغَ عَنْ عَمَلِ الدُّنْيَا ، وَالِاشْتِغَالَ بِمَا هُوَ سَنَامُ الدِّينِ .فَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْجِهَادَ سَنَامَ الدِّينِ .وَفِيهِ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ .وَهُوَ صِفَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَفِيهِ تَعَرُّضٌ لِأَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ .  فَكَانَ أَقْوَى وُجُوهِ الرَّهْبَانِيَّةِ .

ورُوِيَ : عَنْ مَكْحُولٍ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي وَجَدْت غَارًا فِي الْجَبَلِ فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَتَعَبَّدَ فِيهِ وَأُصَلِّيَ حَتَّى يَأْتِيَنِي قَدَرِي فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَمُقَامُ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهِ سِتِّينَ سَنَةً فِي أَهْلِهِ } .

وَهَذَا التَّفَاوُتُ إمَّا بِحَسَبِ التَّفَاوُتِ فِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَكُلَّمَا كَانَ الْخَوْفُ أَكْثَرَ كَانَ الثَّوَابُ فِي الْمُقَامِ أَكْثَرَ .أَوْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِ بِمُقَامِهِ ، فَإِنَّ أَصْلَ هَذَا الثَّوَابِ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِعَمَلِهِ . قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ } أَوْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَوْقَاتِ فِي الْفَضِيلَةِ ،وَعَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ : أَتَيْت أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْت : رَجُلٌ أَوْصَى إلَيَّ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ وَصِيَّتَهُ حَيْثُ تَأْمُرُنِي . فَقَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا لَكُنْت أَضَعُهَا فِي الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَضَعَهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .

وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ اُسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَوَّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ تُغْفَرُ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ ، وَبِالْقَطْرَةِ الثَّانِيَةِ يُكْسَى حُلَّةَ الْكَرَامَةِ ، وَبِالْقَطْرَةِ الثَّالِثَةِ يُزَوَّجُ الْحُورَ الْعِينَ } وفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ فَيَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إلَى الدُّنْيَا .وَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا إلَّا الشَّهِيدَ } فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ لِيَسْتَشْهِد ثَانِيًا مِنْ عِظَمِ مَا يَنَالُ مِنْ الدَّرَجَةِ .أنظر فَضِيلَةَ الرِّبَاطِ في شرح كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى. ولا تنازعوا:في الفُرقة والنزاع تبعثَر الجهود، وفي الألفة والاتفاق صفاء القلوب، فاحذر من تفرق الكلمة والاختلاف في الرأي، فهما الهزيمة، ( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ}والعاقبة للمتقين. والله أعلم وأحكم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . وهذا آخِرُ ما تَيَسَّر لي من إملاءِ هذا الموضوعِ وحَصْرِ ما في هذا المجموعِ متوسِّلاً إليه بكلامِه متشفِّعاً لديه برسولِه محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم في أن يجعلَه خالصاً لوجهِه مُوْجِباً للفوز لديه، فإنه حسبي ونِعْمَ الوكيلُ.والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا المصطفى المختار نبي المرحمة نبي الملحمة وعلى آله الطاهرين واصحابه اجمعين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.

المحتاج  الى الدعاء العبد المفتقيرالى الرحمن ابو الحبيب كل الرحمن المهاجر المدني الحقاني الأريوبي عفى عنه الباري.

[1] (لباب التأويل ، ج 4 ، ص : 503).

[2] (تفسير البحر المحيط ج : 8 رقم ص : 531)

[3] (تفسيرابن كثيرج8ص 534)

[4] (تفسيرالبحرالمحيط ج : 8 ص : 531)

[5]  ( تفسير بيان المعاني ج 1 ص 183).

[6] (تفسيرالخازن ج4ص 503).

[7] ( تفسيرروح البيان ج: 10 ص : 546).

[8] (تفسيرالرازي مفاتح الغيب ج32ص 181) .

[9] (جامع البيان تفسيرالطبري ج 24 ص 709)

[10] (تفسيرأبي السعود ج 7ص 72).

[11] (تفسيرالرازي الكبيرج23ص180)

[12] (تفسير روح البيان ج : 10 ص : 546).

[13] {كشف المعاني صـ 381 ـ 384}

[14] ( تفسيرالمظهري  ج 10 ، ص : 380).

[15] (تفسيرجلالين ج 13ص 245)

[16] (تفسير السراج المنير ج : 4 ص : 722).

[17] ( تفسيرالبغوي ج 8 ص 597).

[18] (تفسيرالقرطبي ج20 ص 243).

[19] (تفسير الإمام عبد الرزاق الصنعاني ج 3 ص 478).

[20]  (صفوة التفاسيرج3ص540).

[21] (تفسير ابي السعودج7ص 72).

[22] (تفسيراللباب لإبن عادل ج: 20 ص :879).

[23] (تفسيرالخازن ج4ص 503).

[24] (تفسيرابن كثيرج 8 ص541).

25 (تفسيرالقرطبي20ص264).

26 (تفسيرالطبري ج20ص711).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *