تفسير سورة الناس

تفسير سورة الناس

.بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)

{ وفيه فصلان: الفصل الاول في محتويات سورة الناس ،وفيه بحث جليل ، وفيه مسائل }

تفسير سورة الناس الاولى : معرفتها 

اعلم!أنّ سورة الناس مدنية وقيل مكية والأول أصح وهي ست آيات وعشرون كلمة وتسعة وسبعون حرفا.([1]) ولما كانت مضرة الدين ، وهي آفة الوسوسة ، أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت ، جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث : الرب والملك والإله ، وإن اتحد المطلوب ، وفي الاستعاذة من ثلاث : الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب ، وإن تكثر الذي يستعاذ منه.([2]) وفيها الاعتصام بحفظ الحقِّ – تعالى – وحياطته ، والحذر والاحتراز من وَسْواس الشيطان ، ومشن تعدّى الجنّ والإِنسان ، فى قوله : {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}.

 الثانية: ربطها 

اعلم!أنّ لما جاءت سورة الفلق للاستعاذة من شر ما خلق من جميع المضار البدنية وغيرها العامة للإنسان وغيره ، وذلك هو جملة الشر الموجود في جميع الأكوان والأزمان ، ثم وقع فيها التخصيص بشرور بأعيانها من الفاسق والساحر والحاسد ، فكانت الاستعاذة فيها عامة للمصائب الخارجة التي ترجع إلى ظلم الغير ، والمعايب الداخلة التي ترجع إلى ظلم النفس ولكنها في المصائب أظهر ، وختمت بالحسد فعلم أنه أضر المصائب ، وكان أصل ما بين الجن والإنس من العداوة الحسد ، جاءت سورة الناس متضمنة للاستعاذة من شر خاص ، وهو الوسواس ، وهو أخص من مطلق الحاسد ، ويرجع إلى المعايب الداخلة اللاحقة للنفوس البشرية التي أصلها كلها الوسوسة ، وهي سبب الذنوب والمعاصي كلها ، وهي من الجن أمكن وأضر ، والشر كله يرجع إلى المصائب والمعايب ، فقد تضمنت السورة كالفلق استعاذة ومستعاذاً به ومستعاذاً منه وأمراً بإيجاد ذلك ، فالأمر : ( قل ( والاسعتاذة ) أعوذ ( والمستعاذ به هو الله سبحانه وتعالى ، وخص الإضافة بالمزلزلين المضطربين في الأبدان والأديان من الإنس والجان لخصوص المستعاذ منه ، وهو الأضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها ، بخلاف ما في الفلق فإنه المضار البدنية التي تعم الإنسان وغيره .( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور لبرهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي  ج8ص رقم 612) تنبيه:- الربط بين الآيات واضح كمالايخفى، تدبر.

 الثالثة:اسمها 

اعلم!أنّ سميت سورة الناس لافتتاحها بقول اللَّه تبارك وتعالى : قُلْ : أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِتقدم عند تفسير أول سورة الفلق أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى سورة الناس {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} . وتقدم في سورة الفلق أنها وسورة الناس تسميان “المعوذتين”، و”المشقشقتين” بتقديم الشنين على القافين، وتقدم أيضا أن الزمخشري والقرطبي رحمهما الله تعالى ذكرا أنهما تسميان “المشقشقتين” بتقديم القافين على الشينين، وعنونها ابن عطية رحمه الله تعالى في “المحرر الوجيز” “سورة المعوذة الثانية” بإضافة “سورة” إلى “المعوذة” من إضافة الموصوف إلى الصفة. وعنونهما الترمذي رحمه الله تعالى “المعوذتين”، وعنونها البخاري رحمه الله تعالى في “صحيحه” “سورة قل أعوذ برب الناس” وفي مصاحفنا القديمة والحديثة المغربية والمشرقية تسمية هذه السورة “سورة الناس” وكذلك أكثر كتب التفسير. (ملخص التفاسير).

 الرابعة:موضوعها 

اعلم!أنّ وجوب الإستجارة والإحتماء برب العالمين ، من شر أعدى الأعداء ، إبليس وأعوانه من شياطين

 الإنس والجن،الذين يغوون الناس بأنواع الوسوسة والإغواء,وتقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته عز وجل ،وتوضيح استعاذة ومستعاذابه ومستعاذا منه .(ملخص التفاسير).

 الخامسة: خلاصتها 

اعلم!أنّ قال ابن كثيررحمه الله تعالى : هذه ثلاث صفات من صفات الربّ عزّ وجلّ : الربوبية ، والملك ، والإِلهية ، فهو ربّ كلّ شيء ومليكه وإلهه ، فجميع الأشياء مخلوقة له ، مملوكة عبيد له ، فأمر المستعيذ أن يتعوّذ بالمتّصف بهذه الصفات من شرّ الوسواس الخنّاس وهو : الشيطان الموكل بالإِنسان ، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزيّن له الفواحش ولا يألوه جهدًا في الخبال ، والمعصوم من عصمه الله . وعن ابن عباس  رضي الله تعالى عنهما في قوله : ? الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ? ، قال : ( الشيطان جاثم على قلب ابن آدم ، فإذا سها وغفل وسوس ، وإذا ذكر الله خنس ) . وقال قتادة رضي الله تعالى عنه: يعني : الشيطان يوسوس في صدر ابن آدم ويخنس إذا ذكر الله .

قال البغوي رحمه الله تعالى: ? الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ? بالكلام الخفيّ الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع . ? مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ? ، يعني : يدخل في الجنّيّ كما يدخل في الإنسيّ ، ويوسوس الجنّيّ كما يوسوس الإنسيّ .(ملخص التفاسير).

 السادسة:فضلها 

اعلم!أنّه عن عائشة رضى الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه، وأمسح بيده عليه، رجاء بركتها. عن أبي سعيد رضى الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من أعين الجان وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.([3])

 وروى النسائي عن أبي عبد اللَّه بن عابس الجهني رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال له: «يا ابن عابس ألا أدلك- أو ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ قال: بلى يا رسول اللَّه، قال: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، هاتان السورتان». وأورد ابن كثير أحاديث كثيرة في معناها ثم قال: فهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.

 السابعة: إمتيازها 

اعلم!أنّ لما كانت مضرة الدين ، وهي آفة الوسوسة ، أعظم من مضرة الدنيا وإن عظمت ،

جاء البناء في الاستعاذة منها بصفات ثلاث : الرب والملك والإله ، وإن اتحد المطلوب ، وفي الاستعاذة من ثلاث : الغاسق والنفاثات والحاسد بصفة واحدة وهي الرب ، وإن تكثر الذي يستعاذ منه.([4])

{ الفصل الثاني:في تفسيرآيات سورة الناس ,وفيه بحث نبيل، وفيه مسئلتان }

الاولى: تحقيق  الآيات الكريمات:(1-3)

 الأول: المناسبة بين الآيات الكريمات 

إعلم! أنه لماذكر المعوذة الاولى فهذه سورة المعوذة الثانية، وبدأ سبحانه تعالى بإضافة الناس إلى ربهم ، لأن الربوبية من أوائل نعم اللّه تعالى على عباده ، وثنى بذكر المالك ، لأنه إنما يدرك ذلك بعد أن يصير عاقلا مدركا ، وختم بالإضافة إلى الألوهية ، لأن الإنسان بعد أن يدرك ويتعلم ، يدرك أن المستحق للعبادة هو اللّه رب العالمين.(ملخص التفاسير).

الثاني: تفسير الآيات الكريمات 

{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ* إِلَهِ النَّاسِ }

الف:- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ”. أي كما أمرناك أن تستعيذ برب الفلق فاستعذ برب الناس وحافظهم مما يضرهم مادة ومعنى ، وهو “مَلِكِ النَّاسِ 2” ومالك أمرهم ومدبر أمورهم وقد وصف جل شأنه نفسه بأنه رب الناس ، لأن الرب قد يكون ملكا ، وقد لا يكون ملكا ، فنبه جل شأنه على أنه ربهم.([5])

قوله عز وجل : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إنما خصص الناس بالذّكر ، وإن كان رب جميع المحدثات لأنه لما أمر بالاستعاذة من شر الوسواس ، فكأنه قال أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم ، وهو إلههم ومعبودهم فإنه هو الذي يعيذهم من شرهم ، وقيل إن أشرف المخلوقات هم الناس ، فلهذا خصهم بالذكر.([6])

 ب:- قوله تعالى: “مَلِكِ النَّاسِ” أي عطف بيان جيء به لبيان إن تربيته تعالى إياهم ليست بطريق تربية سائر الملاك لما تحت أيديهم من مماليكهم بل بطريق الملك الكامل والتصرف الشامل والسلطان القاهر فما ذكروه في ترجيح المالك على الملك من أن المالك مالك العبد وإنه مطق التصرف فيه بخلاف الملك فإنه إنما يملك بقهر وسياسة ومن بعض الوجوه فقياس لا يصح ولا يطرد إلا في المخلوقين لا في الحق فإنه من الين إنه مطلق التصرف وإنه يملك من جميع الوجوه فلا يقاس ملكية غيره عليه ولا تضاف النعوت والأسماء إليه إلا من حيث أكمل مفهوماته ومن وجوه ترجيح الملك على المالك إن الأحاديث النبوية مبينات لأسرار القرآن ومنبهات عليها وقد ورد في الحديث في بعض الأدعية النبوية.([7])

لا يجوز ههنا مالك الناس ويجوز مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ في سورة الفاتحة والفرق أن قوله رَبّ النَّاسِ أفاد كونه مالكاً لهم فلا بد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكاً فهو ملك فإن قيل أليس قال في سورة الفاتحة رَبّ الْعَالَمِينَ ثم قال مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ فليزم وقوع التكرار هناك قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين وهي الأشياء الموجودةفي الحال وعلى أنه مالك ليوم الدين أي قادرعليه فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير وأما ههنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد فيلزم منه التكرير فظهر الفرق وأيضاً فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس وقد قرىء مالك لكن في الشواذ([8])

ج:- قوله تعالى:” إِلَهِ النَّاسِ” أي يقول: معبود الناس، الذي له العبادة دون كل شيء سواه.([9]) فإِنه لبيان أن ملكه تعالى ليس بمجرد الاستيلاء عليهم والقيام بتدبير أمورهم وسياستهم والتولى لترتيب مبادىء حفظهم وحمايتهم كما هو قصارى أمر المملوك بل هو بطريق المعبودية المؤسسة.([10])

 الثالث:النكت الشافية 

 (1)اعلم!أنه بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه فثنى بذكر الملك ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله فلهذا ختم به وأيضاً أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعاً لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة وهذا هو الرب ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكاً لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنياً عن غيره ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته فحينئذ يعرفه إلهاً.([11])

(2) قال القاشاني رحمه الله تعالى:رب الناس هو الذات مع جميع الصفات لأن الإنسان هو الكون الجامع الحاصر لجميع مراتبا لوجود فربه الذي أوجده وأفاض عليه كماله هو الذات باعتبار جميع لأسماء الجمالية والجلالية تعوذ بوجهه بعد ما تعوذ بصفاته ولهذا تأخرت هذه الصورة عن المعوذة الأولى إذ فيها تعوذ في مقام الصفات باسمه الهادي فهداه إلى ذاته وفي الحديث : “أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك” ابتدأ بالتعوذ بالرضى الذي هو من الصفات لقرب الصفات من الذات ثم استعاذ بالمعافاة التي هي من صفات الأفعال ثم لما ازداد يقيناً ترك الصفات فقال وأعوذ بك منك قاصراً نظره على الذات وابتدأ بعض العلماء في ذكر هذا الحديث بتقديم الاستعاذة بالمعافاة على التعوذ بالرضى للترقي من الأدنى الذي هو من صفات الأفعال إلى الأعلى الذي هو صفات الذات قال بعضهم : من بقى له التفات إلى غير الله استعاذ بأفعال الله وصفاته فأما من توغل في بحر التوحيد بحيث لا يرى في الوجود إلا الله لم يستعذ إلا بالله ولم يلتجىء إلا إلى الله والنبي عليه السلام ، لما ترقى عن هذا المقام وهو المقام الأول قال أعوذ بك منك.([12])

(3) أما تكرار ، (النَّاسِ) : فإما لمشابهة رؤوس الآى كغيرها من السور ، أو لأن الأوصاف الثلاثة أتى بها عطف بيان كقولك : الفاروق أبو حفص عمر ، لقصد البيان فكان التصريح بلفظ “الناس ” أصرح في البيان من الضمائر.وخص ” الناس ” بذلك : لأن غيرهم لا يدعى الربوبية ، والملك ، والألوهية فبين أنه إله من قد يوصف بذلك ، فغيرهم أولى بأنه إلههم. والله تعالى أعلم ، وله الحمد والشكر.([13])

(4) قيل وجه التكرير لفظ الناس ان المراد بالناس الأول الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه وبالثاني الشاب المجاهدين فى سبيل اللّه ولفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه وبالثالث الشيوخ المنقطعين إلى اللّه تعالى ولفظ الإله المنبئ عن العبادة يدل عليه وبالرابع الصالحون إذا الشيطان حريص على عداوتهم وبالخامس المفسدون لعطفه على معوذ منه وفى ذكر أطفال المؤمنين والرجال الصالحين استجلاب للرحمة واستدفاع للعذاب قال رسول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لو لا رجال ركع وأطفال وضع وبهائم رتع نصب عليكم صبا رواه أبو يعلى والبزار والبيهقي رحمهم الله تعالى من حديث أبى هريرةرضي الله تعالى عنه؛ وله شاهد مرسل أخرجه أبو نعيم عن الزهري رحمهما الله تعالى وقال اللّه تعالى لو لا رجال مومنون ونساء مومنات لم تعلموهم الآية.([14])

 الفوائد 

اعلم! أن من فوائد الآيات الكريمات:  أنها تضمنت معاني أسمائه الحسنى أما تضمنها لمعاني

أسمائه الحسنى فإن الرب هو القادر الخالق الباريء المصور الحي القيوم العليم السميع البصير المحسن المنعم الجواد المعطي المانع الضار النافع المقدم المؤخر الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء ويسعد من يشاء ويشقي ويعز من يشاء ويذل من يشاء إلى غير ذلك من معاني ربوبيته التي له منها ما يستحقه من الأسماء الحسنى، وأما الملك فهو الآمر الناهي المعز المذل الذي يصرف أمور عباده كما يحب ويقلبهم كما يشاء وله من معنى الملك ما يستحقه من الأسماء الحسنى كالعزيز الجبار الحكم العدل الخافض الرافع المعز المذل العظيم الجليل الكبير الحسيب المجيد الوالي المتعالي مالك الملك المقسط الجامع إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى الملك

وأما الإله فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال فيدخل في هذا الإسم جميع الأسماء الحسنى ولهذا كان القول الصحيح أن الله أصله الإله كما هو قول سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم وأن اسم الله تعالى هو الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى فقد تضمنت هذه الأسماء الثلاثة جميع معاني أسمائه الحسنى فكان المستعيذ بها جديرا بأن يعاذ ويحفظ ويمنع من الوسواس الخناس ولا يسلط عليه.

(ومنها) أنه كرر الناس خمس مرات قيل كرر تبجيلا لهم على ما سبق وقيل كرر لانفصال كل آية من الأخرى لعدم حرف العطف وقيل المراد بالأول الأطفال ومعنى الربوبية يدل عليه وبالثاني الشبان ولفظ الملك المنبئ عن السياسة يدل عليه وبالثالث الشيوخ ولفظ إله المنبئ عن العبادة يدل عليه وبالرابع الصالحون والأبرار والشيطان يولع بإغوائهم وبالخامس المفسدون والأشرار وعطفه على المتعوذ منهم يدل على ذلك خطاب لهما قبل الدخول وما في البقرة بعد الدخول الموصوف في الثانية أكتفاء وما أسألكم عليه من أجر لذكرها في مواضع .

(ومنها) وجوب الاستعاذة بالله تعالى من شياطين الإِنس والجن .وتقرير ربوبية الله تعالى وألوهيته عز وجل . وبيان لفظ الاستعاذة وهو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كما بيّنته السنة الصحيحة إذ تلاحى رجلان في الروضة النبوية فقال النبي صلى الله عليه وسلم « إني أعلم لو قالها هذا لذهب عنه أي الغضب : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ».

(ومنها)  أنّه فرق بين نفس الالتجاء الاعتصام وبين طلب ذلك ، فلما كان المستعيذ هارباً ملتجئاً معتصماً بالله أتى بالفعل الدال على ذلك فقال ( أعوذ ) دون الفعل الدال على طلب ذلك ، و لا ضير أن يأتي بالسين . فيقول : استعيذ بالله أي أطلب منه أن يعيذني ، ولكن هذا معنى غير نفس الاعتصام والالتجاء الهرب إليه . فالأول مخبر عن حاله وعياذه بربه وخبره يتضمن سؤاله وطلبه أن يعيذه . والثاني : طالب سائل من ربه أن يعيذه كأنه يقول : أطلب منك أن تعيذني فحال الأول أكمل.والله سبحانه وتعالى أعلم.

الثانية: تحقيق  الآيات الكريمات:(4-5-6)

 الأول: المناسبة بين الآيات الكريمات 

إعلم!أنّه لما علّمنا اللَّه تعالى في هذه السورة رحمة بنا كيفية الاستعاذة من شياطين الإنس والجن، وعرفنا أنه بصفاته الثلاث: الربوبية، والملك، والألوهية، يحمي المستعيذ من شرور الشيطان وأضراره في الدين والدنيا والآخرة؛ ثم أبان موضع وسوسته، فقال: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ أي الذي يلقي خواطر السوء والشرّ في القلوب، وإنما ذكر الصدور لأنها تحتوي على القلوب، والخواطر محلها القلب، كما هو المعهود في كلام العرب، ثم بيّن اللَّه تعالى أن الذي يوسوس نوعان: جني وإنسي، فقال:”مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ” أي أن ذلك الموسوس إما شيطان الجن، فيوسوس في صدور الناس، كما تقدم،  وإما شيطان الإنس، ووسوسته في صدور الناس:أنه يري نفسه كالناصح المشفق، فيوقع في الصدر كلامه الذي أخرجه مخرج النصيحة، فيجعله فريسة وسوسة الشيطان الجني.(ملخص التفاسير).

 الثاني: تفسير الآيات الكريمات 

{مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ* الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ* مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ }

الف:- قوله تعالى:”مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ” أي مِنْ شر الْوسْواس ” الشَّيْطَان سُمِّيَ بِالْحَدَثِ لِكَثْرَةِ مُلابَسته لَهُ ” الْخَنَّاس ” لِأَنَّهُ يَخْنِس وَيَتَأَخر عَن الْقَلْب كُلَّما ذُكِرَ اللَّه ([15]) وهو اسم بمعنى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأمّا المصدر فوسواس بالكسر كزلزال ، والمراد به شيطان سمي بالمصدر كأنه وسوس في نفسه ، لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه أو أريد ذو الوسواس والوسوسة الصوت الخفي ، ويقال لحس الصائد ، والكلاب ، وأصوات الحلي : وسواس. “والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم”. كما في الصحيح فهو الذي يوسوس بالذنب سراً ليكون أحلى ، ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى يوقع الإنسان ، فإذا أوقعه وسوس لغيره إن فلاناً فعل كذا حتى يفضحه بذلك ، فإذا افتضح ازداد جراءة على أمثال ذلك كأنه يقول : قد وقع ما كنت أحذر من إيقاعه فلا يكون شيء غير الذي كان فيجترئ على الذنب.

ولما كان الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل دواء غير السأم وهو الموت ، وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره تعالى فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه ، وصف سبحانه الموسوس عند استعماله الدواء بقوله تعالى : {الخناس} ، أي : الذي عادته أن يخنس ، أي : يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرّة بعد مرّة كلما كان الذكر خنس وكلما بطل عاد إلى وسواسه ، فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد فهو شديد النفور منه ، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً كما حكي عن بعض السلف أنّ المؤمن يضني شيطانه كما يضني الرجل بعيره في السفر. قال قتادة رضي الله تعالى عنه: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب ، وقيل : كخرطوم الخنزير في صدر الإنسان ، فإذا ذكر العبد ربه خنس ، ويقال : رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يمسه ، فإذا ذكر الله تعالى خنس ورجع ووضع رأسه ([16])

ب:- قوله تعالى: ” الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ” أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع.([17])

 قال مقاتل رحمه الله تعالى: إن الشيطان في صورة خنزير، يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، سلطه الله على ذلك، فذلك قوله تعالى: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. وفي الصحيح عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ]. وهذا يصحح ما قاله مقاتل رحمه الله تعالى. وروى شهر بن حوشب عن أبي ثعلبة الخشني رحمهم الله تعالى قال: سألت الله أن يريني الشيطان ومكانه من ابن آدم فرأيته، يداه في يديه، ورجلاه في رجليه، ومشاعبه في جسده، غير أن له خطما كخطم الكلب، فإذا ذكر الله خنس ونكس، وإذا سكت عن ذكر الله أخذ بقلبه. فعلى، ما وصف أبو ثعلبة أنه متشعب في الجسد، أي في كل عضو منه شعبة. وروي عن عبد الرحمن بن الأسود أو غيره من التابعين رحمهم الله تعالى أنه قال- وقد كبر سنه-: ما أمنت الزنى وما يؤمنني أن يدخل الشيطان ذكره فيوتده! فهذا القول ينبئك أنه متشعب في الجسد، وهذا معنى قول مقاتل رحمه الله تعالى. ووسوسته: هو الدعاء لطاعته بكلام خفي، يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع صوت.([18])

ج:- قوله تعالى: “مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ” عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } قَالَ : إِنَّ مِنَ النَّاسِ شَيَاطِينُ , وَمِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينُ , فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ , وَالْجِنِّ.([19])

أن من بيانية أي هذا الذي يوسوس في صدور الناس،هو من شياطين الجن والإنس ، كقوله تعالى{ شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا }،فالآية إستعاذة من شر الإنس والجن جميعا، ولا شك أن شياطين الإنس،أشد فتكا وخطرا من شياطين الجن، فإن شيطان الجن يخنس بالإستعاذة ، وشيطان الإنس يزين لصاحبه الفواحش ، ويغريه بالمنكرات، ولا يثنيه عن عزمه شيء ، والمعصوم من عصمه الله.([20])

 الثالث:النكت الوافية 

 (1) إعلم!أنّ التشريف بالإضافة  “من شر الوسواس” هو اسم بمعنى الوسوسة وهى الصوت الخفى كالزلزال بمعنى الزلزلة وأما المصدر فبالكسر والمراد به الشيطان سمى بفعله مبالغة كأنه نفس الوسوسة “الخناس” الذى عادته أن يخنس أى يتأخر إذا ذكر الإنسان ربه .([21])

(2) قال مقاتل رحمه الله تعالى: إن الشيطان في سورة خنزير , يجري من ابن آدم مجرى الدم في عروقه , سلَّطه الله على ذلك , فذلك قوله تعالى : {الَّذِى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} , وقال صلى الله عليه وسلم : ” إنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي من ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَم” رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.قال القرطبي رحمه الله تعالى : ” ووسوسته : هو الدعاء إلى طاعته , حتى يصل به إلى القلب , من غير صوت “.([22])

(3) قوله تعالى:” لَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ” يعني بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع ، والمراد بالصدر القلب مِنَ الْجِنَّةِ يعني الجن وَالنَّاسِ وفي معنى الآية وجهان : أحدهما : أن الناس لفظ مشترك بين الجن والإنس ، ويدل عليه قول بعض العرب جاء قوم من الجن ، فقيل من أنتم قالوا أناس من الجن ، وقد سماهم اللّه تعالى رجالا في قوله يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فعلى هذا يكون معنى الآية أن الوسواس الخناس يوسوس للجن كما يوسوس للإنس.

الوجه الثاني : أن الوسواس الخناس قد يكون من الجنة ، وهم الجن وقد يكون من الإنس ، فكما أن شيطان الجن قد يوسوس للإنسان تارة ، ويخنس أخرى ، فكذلك شيطان الإنس قد يوسوس للإنسان كالنّاصح له فإن قبل زاد في الوسوسة ، وإن كره السامع ذلك انخنس وانقبض فكأنه تعالى أمر أن يستعاذ به من شر الجن والإنس جميعا.([23])

(4) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أحدث (3) نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أتكلم به. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة”.([24])

(5) أنّ المعنى : قل أعوذ برب الناس من شر الوسواس ، الذي هو من الجنة ، ومن شر الناس. فعلى هذا أمر بأن يستعيذ من شر الإنس والجن. والجنة : جمع جني ؛ كما يقال : إنس وإنسي. والهاء لتأنيث الجماعة. وقيل : إن إبليس يوسوس في صدور الجن ، كما يوسوس في صدور الناس. فعلى هذا يكون “فِي صُدُورِ النَّاسِ” عاما في الجميع. و “مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ” بيان لما يوسوس في صدره. وقيل : معنى “مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ” أي الوسوسة التي تكون من الجنة والناس ، وهو حديث النفس. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : “إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به” . رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، مسلم.([25])

(6) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، في قوله( الْوَسْوَاسِ ) قال: هو الشيطان يأمره،

 فإذا أطيع خنس .والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ به من شرّ شيطان يوسوس مرّة ويخنس أخرى، ولم يخصَّ وسوسته على نوع من أنواعها، ولا خنوسه على وجه دون وجه، وقد يوسوس بالدعاء إلى معصية الله، فإذا أطيع فيها خَنَس، وقد يوسوس بالنَّهْي عن طاعة الله فإذا ذكر العبدُ أمر ربه فأطاعه فيه، وعصى الشيطان خنس، فهو في كلّ حالتيه وَسْواس خَناس، وهذه الصفة صفته.([26])

 الفوائد 

اعلم! أن من فوائد الآيات الكريمات: أنّ هذه السورة مشتملة على الاستعاذة من الشر الذي هو سبب الذنوب والمعاصي وهو الشر الداخل في الإنسان الذي هو منشأ العقوبات في الدنيا والآخرة، فسورة الفلق تضمنت الاستعاذة من ظلم الغير بالسحر والحسد وهو شر من خارج، وسورة الناس تضمنت الاستعاذة من الشر الذي هو سبب ظلم العبد نفسه، وهو شر من داخل، فالشر الأول لا يدخل تحت التكليف ولا يطلب منه الكف عنه؛ لأنه ليس من كسبه.

والشر الثاني الذي في سورة الناس يدخل تحت التكليف، ويتعلق به النهي فهذا شر المعائب،

والأول شر المصائب والشر كله يرجع إلى العيوب والمصائب ولا ثالث لهما. فتضمنت سورة الناس الاستعاذة من شر العيوب كلها؛ لأن أصلها كلها الوسوسة وِأصل الوسوسة الحركة، أو الصوت الخفي الذي لا يحس فيتحرز منه.

(ومنها) أنّ الوسواس: هوالإلقاء الخفي في النفس أما بصوت خفي لا يسمعه إلا من ألقي إليه وأما بغير صوت كما يوسوس الشيطان العبد. والوساوس الخناس: وصفان لموصوف محذوف، وهو الشيطان، فالوسواس الشيطان؛ لأنه كثير الوسوسة وأما الخناس: فهو فعّال من خنس يخنس إذا توارى واختفى، فإن العبد إذا أغفل عن ذكر الله جثم على قلبه الشيطان، وبذر فيه الوسواس التي هي أصل الذنوب كلها، فإذا ذكر العبد ربه واستعاذ به انخنس والانخناس تأخر ورجوع معه اختفاء ،قال قتادةرضي الله تعالى عنه : الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان، فإذا ذكر العبد ربه خنس .

(ومنها)  أنّه في أثر عن بعض السلف: ((أن المؤمن ينضي شيطانه كما ينضي الرجل بعيره في السفر؛ لأنه كلما اعترضه صبَّ عليه سياط الذكر والتوجه والاستغفار والطاعة، فشيطانه معه في عذاب شديد. وأما شيطان الفاجر فهو معه في راحة ودعة، ولهذا يكون قويًا عاتيًا شديدًا فمن لم يعذب شيطانه في هذ هالدار بذكر الله وتوحيده وطاعته، عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار، فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه أو يُعذبه شيطانه، وتأمل كيف جاء بناء الوسواس مكررًا لتكريره الوسوسة الواحدة مرارًا، حتى يعزم عليها العبد. وجاء بناء الخناس على وزن الفعّال الذي يتكرر منه نوع الفعل؛ لأنه كلما ذكر الله انخنس فإذا غفل العبد عاد بالوسوسة فجاء بناء اللفظين مطابقًا لمعنييهما.

(ومنها)  أنّه لا يزال الشيطان بالعبد يقوده إلى الذنب وينظم شمل الاجتماع بألطف حيلة وأتم مكيدة.فأصلُ كل معصية وبلاء إنما هو الوسوسة فلهذا وصفه بها؛ ليكون الاستعاذة من شرها أهم، وإلا فشره بغير الوسوسة حاصل أيضًا فمن شره أنه لص سارق لأموال الناس فكل طعام أو شراب لم يذكر اسم الله عليه فله فيه حَظًا بالرسقة والخطف، وكذلك يبيت في البيت الذي لم يذكر فيه اسم الله فيأكل طعام الإنس بغير إذنهم ويبيت في بيوتهم بغير أمرهم،ويدل على عوراتهم فيأمر العبد بالمعصية ثم يلقي في قلوب أعدائه يقظة ومنامًا أنه فعل كذا وكذا،  ومن هذا أن العبد يفعل الذنب لا يطلع عليه – إلا الله – أحدٌ من الناس فيصبح والناس يتحدثون به، وما ذاك إلا لأن الشيطان يجهده في كشف سرّه وفضيحته فيغترّ العبد ويقول هذا ذنب لم يره إلا الله ولم يشرع بأن عدوه ساع في إذاعته، وقل من يتفطن من الناس لهذه الدقيقة. ومن شره أنه يعقد على رأس العبد إذا نام عقدة تمنعه من اليقظة كما في صحيح البخاري: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) الحديث، ومن شره أنه يبول في أذن العبد حتى ينام إلى الصباح .

 (ومنها) أنّه لا يمكن حصر أجناس شره فضلا عن آحادها إذ كل شر في العالم فهو السبب فيه ويكن ينحصر شره في ستة أجناس لا يزال بابن آدم حتى ينال منه واحدا منها أو أكثر الشر الأول: شر الكفر والشرك ومعاداة الله ورسوله فإذا ظفر بذلك من ابن آدم برد أنينه واستراح من تعبه معه وهو أول ما يريد من العبد فلا يزال به حتى يناله منه فإذا نال ذلك صيره من جنده وعسكره وإستنابه على أمثاله وأشكاله فصار من دعاة إبليس ونوابه؛ فإذا يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه، نقله إلى المرتبة الثانية من الشر وهي البدعة وهي أحب إليه من الفسوق والمعاصي لأن ضررها في نفس الدين وهو ضرر متعد وهي ذنب لا يتاب منه وهي مخالفة لدعوة الرسل ودعا إلى خلاف ما جاءوا به وهي باب الكفر والشرك فإذا نال منه البدعة وجعله من أهلها بقي أيضا نائبه وداعيا من دعائه؛  فإن أعجزه من هذه المرتبة وكان العبد ممن سبقت له من الله موهبة السنة ومعاداة أهل البدع والضلال، نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر وهي الكبائر على اختلاف أنواعها فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها ولا سيما إن كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس عنه ثم يشيع من ذنوبه ومعاصيه في الناس ويستنيب منهم من يشيعها ويذيعها تدينا وتقربا بزعمه إلى الله تعالى وهو نائب إبليس ولا يشعر فإن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم هذا إذا أحبوا إشاعتها وإذاعتها فكيف إذا تولوا هم إشاعتها وإذاعتها لا نصيحة منهم ولكن طاعة لإبليس ونيابة عنه كل ذلك لينفر الناس عنه وعن الإنتفاع به وذنوب هذا ولو بلغت عنان السماء أهون عند الله من ذنوب هؤلاء فإنها ظلم منه لنفسه إذا استغفر الله وتاب إليه قبل الله توبته وبدل سيئاته حسنات وأما ذنوب أولئك فظلم للمؤمنين وتتبع لعورتهم وقصد لفضيحتهم والله سبحانه بالمرصاد لا تخفى عليه كمائن الصدور ودسائس النفوس؛

 فإن عجز الشيطان عن هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الرابعة وهي الصغائر التي إذا اجتمعت فربما أهلكت صاحبها كما قال النبي إياكم ومحقرات الذنوب فإن مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الأرض // صحيح // وذكر حديثا معناه أن كل واحد منهم جاء بعود حطب حتى أوقدوا نارا عظيمة فطبخوا واشتووا ولا يزال يسهل عليه أمر الصغائر حتى يستهين بها فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالا منه؛

 فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة، نقله إلى المرتبة الخامسة وهي إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها؛  فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظا لوقته شحيحا به يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب، نقله إلى المرتبة السادسة وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه وقل من يتنبه لهذا من الناس فإنه إذا رأى فيه داعيا قويا ومحركا إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان فإن الشيطان لا يأمر بخير ويرى أن هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين بابا من أبواب الخير إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر وإما ليفوت بها خيرا أعظم من تلك السبعين بابا وأجل وأفضل،

وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى ولرسوله ولكتابه ولعباده المؤمنين خاصتهم وعامتهم ولا يعرف هذا إلا من كان من ورثة الرسول ونوابه في الأمة وخلفائه في الأرض وأكثر الخلق محجوبون عن ذلك فلا يخطر بقلوبهم والله تعالى يمن بفضله على من يشاء من عباده؛

 فإن أعجزه العبد من هذه المراتب الست وأعيا عليه سلط عليه حزبه من الإنس والجن بأنواع الأذى والتكفير والتضليل والتبديع والتحذير منه وقصد إخماله وإطفائه ليشوش عليه قلبه ويشغل بحربه فكره وليمنع الناس من الإنتفاع به فيبقى سعيه في تسليط المبطلين من شياطين الإنس والجن عليه ولا يفتر ولا يني فحينئذ يلبس المؤمن لأمة الحرب ولا يضعها عنه إلى الموت ومتى وضعها أسر أو أصيب فلا يزال في جهاد حتى يلقى الله تعالى.

ومنها: ماقيل لسهل رحمه الله تعالى : ما الوسوسة؟ فقال : كل شيء دون اللّه تعالى فهو وسوسة ، وإن القلب إذا كان مع اللّه تعالى فهو قائل عن اللّه تعالى ، وإذا كان مع غيره فهو قائل مع غيره. ثم قال : من أراد الدنيا لم ينج من الوسوسة ، ومقام الوسوسة من العبد مقام النفس الأمارة بالسوء ، وهو ذكر الطبع ، فوسوسة العدو في الصدور ، كما قال : {يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (5- 6) يعني في صدور الجن والإنس جميعا ، ووسوسة النفس في القلب. قال اللّه تعالى : {وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (ق :16)وإن معرفة النفس أخفى من معرفة العدو،ومعرفة العدو أجلى من معرفة الدنيا ، وأسر العدو معرفته ، فإذا عرفته فقد أسرته ، وإن لم تعرف أنه العدو وأسرك فإنما مثل العبد والعدو والدنيا كمثل الصياد والطير والحبوب ، فالصياد إبليس ، والطير العبد ، والحبوب الدنيا ، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع ، فإن كنت صائما فأردت أن تفطر قال لك : ما يقول الناس ، أنت قد عرفت بالصوم تركت الصيام. فإن قلت : مالي وللناس. قال لك : صدقت أفطر ، فإنهم سيضعون أمرك على الحسبة والإخلاص في فطرك ، وإن كنت عرفت بالعزلة فخرجت. قال : ما يقول الناس ، تركت العزلة. فإن قلت : مالي وللناس. قال : صدقت اخرج فإنهم سيضعون أمرك على الإخلاص والحسبة. وكذلك في كل شيء من أمرك ، يردك إلى الناس حتى كأنه ليأمرك بالتواضع للشهرة عند الناس.

(ومنها) ما قال سهل رحمه الله تعالى : عليك بالإخلاص تسلم من الوسوسة ، وإياك والتدبير فإنه داء النفس ، وعليك بالاقتداء فإنه أساس العمل ، وإياك والعجب فإن أدنى باب منه لم تستتمه حتى تدخل النار ، وعليك بالقنوع والرضا ، فإن العيش فيهما ، وإياك والائتمار على غيرك ، فإنه لينسيك نفسك ، وعليك بالصمت ، فأنت تعرف الأحوال فيه ، وعليك بترك الشهوات تنقطع به عن الدنيا ، وعليك بسهر الليل تموت نفسك من ميلة طبعك وتحيي قلبك ، وإذا صليت فاجعلها وداعا ، وخف اللّه يؤمنك ، وارجه يؤملك ، واتكل عليه يكفك ، وعليك بالخلوة تنقطع الآفات عنك. ولقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : لو لا مخافة الوسواس لرحلت إلى بلاد لا أنيس بها ، وهل يفسد الناس إلا الناس. فمخالطة الولي بالناس ذل ، وتفرده عزّ ، وما رأيت أولياء اللّه تعالى إلا منفردين ،كما في تفسير التستري ، ص : 212).

(ومنها) أنّه لما كان الله تعالى لم ينزل داء إلا أنزل دواء غير السأم وهو الموت ، وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره تعالى فإنه يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه ، وصف سبحانه الموسوس عند استعماله الدواء بقوله تعالى : {الخناس} ، أي : الذي عادته أن يخنس ، أي  يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ظهوره مرّة بعد مرّة كلما كان الذكر خنس وكلما بطل عاد إلى وسواسه ، فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد فهو شديد النفور منه ، ولهذا كان شيطان المؤمن هزيلاً كما حكي عن بعض السلف أنّ المؤمن يضني شيطانه كما يضني الرجل بعيره في السفر.

(ومنها) ماقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: الوسوسة بذر الشيطان فإن لم تعطه أرضا وماء ضاع بذره ،  وإن اعطيته الأرض والماء بذر فيه الشيطان ، فسئل ما الأرض والماء ؟ فقال:الشبع ارضه  والنوم ماؤه.وقال يحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: إنما هو جسم ، وروح ، وقلب ، وصدر ، وشغاف ، وفؤاد .   فالجسم بحر الشهوات ، قال الله تعالى : !{ إن النفس لأمارة بالسوء } !( يوسف: 53).والروح بحر المناجاة.والصدر بحر الوسواس ،قال الله تعالى:!( الذي يوسوس في صدور الناس )!(الآية:5).والشغاف بحر المحبة ، قال الله تعالى : ! {قد شغفها حبا }!( يوسف : 30 ).والفؤاد بحر الرؤية . وقال أبو عمرو النجاري رحمه الله تعالى ، اصل الوسوسة ونتيجتها من عشرة أشياء : أولها : الحرص  فقابله بالتوكل والقناعة . والثانية : الأمل . فاكسره بمفاجأة الأجل . والثالثة : التمتع  بشهوات الدنيا فقابله بزوال النعم وطول الحساب . والرابعة الحسد فاكسره برؤية  العدل . والخامسة : البلاء فاكسره برؤية المنة والعوافي . والسادسة : الكبر فاكسره بالتواضع . والسابعة : الاستخفاف بحرمة المؤمنين فأكسره بتعظيم حرمتهم . والثامنة :  حب الدنيا ، والمحمدة من الناس فاكسره بالإخلاص ، والتاسعة ، طلب العلو والرفعة  فاكسره بالخشوع ، والعاشرة : البخل والمنع فاكسره بالجود والسخاء.

(ومنها) أنّ علاج وسوسته بثلاثة أشياء . واحدها : الإكثار من ذكر الله . وثانيها : الإكثار من الاستعاذة بالله منه ومن أنفع شيء في ذلك قراءة هذه السورة . وثالثها : مخالفته والعزم على عصيانه .

(ومنها) أنّه سلط اللّه تعالى الشيطان على الناس إلا من عصمه اللّه، للمجاهدة والفتنة والاختبار، ثبت في الحديث الصحيح أنه: «ما منكم من أحد إلا وكّل به قرينه، قالوا: وأنت يا رسول اللّه؟ قال: نعم إلا أن اللّه أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير». لكن ينبغي أن ندرك أن وسوسة الشيطان ليست قهرية، وإنما بسبب استجابة الإنسان واختياره لها، فقد يختار الإصغاء لوسوسة الشياطين، وقد يحذر عداوتهم ووسوستهم، كما جاء في آية أخرى: {إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} (الإسراء: 17/ 65).

(ومنها) أن الشر الذي يصيب العبد لا يخلو من قسمين :

أ – إما ذنوب وقعت منه يعاقب عليها فيكون وقوع ذلك بفعله وقصده وسعيه ، ويكون هذا الشر هو الذنوب وموجباتها وهو أعظم الشرين وأدومهما وأشدهما اتصالاً بصاحبه و هذا سببه الوسوسة من شياطين الإنس و الجن و هذا ما تضمنته سورة الناس .

ب – وإما شر واقع به من غيره ، وذلك الغير إما مكلف ، أو غير مكلف ، والمكلف إما نظيره وهو الإنسان ، أو ليس نظيره وهو الجني وغير المكلف مثل الهوام وذوات الحمى وغيرها و هذا ما تضمنته سورة الفلق .فتضمنت هاتان السورتان الاستعاذة من هذه الشرور كلها بأوجز لفظ وأجمعه وأدله على المراد وأعمه استعاذة .

 (ومنها) أنّ  ” الخناس ” جيء من هذا الفعل بوزن فعال الذي للمبالغة دون الخانس والمنخنس إيذاناً بشدة هروبه ورجوعه وعظم نفوره عند ذكر الله . وأن ذلك دأبه وديدنه لا أنه يعرض له ذلك عند ذكر الله أحياناً . بل إذا ذكر الله هرب وانخنس وتأخر . فإن ذكر الله هو مقمعته التي يقمع بها كما يقمع المفسد والشرير بالمقامع التي تردعه من سياط وحديد وعصي ونحوها . فذكر الله يقمع الشيطان ويؤلمه ويؤذيه كالسياط والمقامع التي تؤذي من يضرب بها . فمن لم يعذب شيطانه في هذه الدار بذكر الله تعالى وتوحيده واستغفاره وطاعته عذبه شيطانه في الآخرة بعذاب النار ، فلا بد لكل أحد أن يعذب شيطانه أو يعذبه شيطانه .

(ومنها)  قد ذكرنا في أول سورة البقرة أن أصل ناس عند سيبويه أناس فحذفت فاؤه وعند غيره لم يحذف منه شيء وأصله نوس لقولهم في التصغير نويس  وقال قوم أصله نيس مقلوب عن نسي أخذوه من النسيان وفيه بعد قال تعالى { من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس } و { الوسواس } بالفتح اسم وبالكسر المصدر والتقدير من شر ذي الوسواس وقيل سمي الشيطان بالفعل مبالغة و { الخناس } نعت له، و { الذي يوسوس } يحتمل الرفع والنصب والجر، قال تعالى { من الجنة والناس } ،قوله تعالى { من الجنة } هو بدل من شر بإعادة العامل أي من شر الجنة وقيل هو بدل من ذي الوسواس لأن الموسوس من الجن ،وقيل هو حال من الضمير في يوسوس أي يوسوس وهو من الجن ، وقيل هو بدل من الناس أي في صدور الجنة ،وجعل { من } تبيينا وأطلق على الجن اسم الناس لأنهم يتحركون في مراداتهم ،والجن والجنة بمعنى وقيل { من الجنة } حال من الناس أي كائنين من القبيلين، وأما { الناس } الأخير فقيل هو معطوف على ذي الوسواس أي من شر القبيلين وقيل هو معطوف على الجنة.

(ومنها) أنّه قيل إن حروف هذه السورة غير المكرر اثنان وعشرون حرفا وكذا حروف الفاتحة وذلك بعدد السنين التي أنزل فيها القرآن فليراجع ، وبعد أن يوجد الأمر كما ذكر لا يخفى أن كون سني النزول اثنتين وعشرين سنة قول لبعضهم. والمشهور أنها ثلاث وعشرون اه. ومثل هذا الرمز ما قيل إن أول حروفه الباء وآخرها السين كأنه قيل «بس» أي حسب ففيه إشارة إلى أنه كاف عما سواه ورمز إلى قوله تعالى {ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ} (الأنعام : 38). وقد نظم ذلك بعض الفرس فقال :  أول وآخر قرآن زجه با آمد وسين يعني اندر دو جهان رهبر ما قرآن بس.

 (ومنها) بيان بعض الرموز :أنّ الرموز كثير لكن قيل لا ينبغي أن يقال إنه مراد اللّه عز وجل. نعم قد أرشد عز وجل في هذه السورة إلى الاستعانة به تعالى شأنه كما أرشد جل وعلا إليها في الفاتحة بل لا يبعد أن يكون مراده تعالى على القول بأن ترتيب السور بوحيه سبحانه من ختم كتابه الكريم بالاستعاذة به تعالى من شر الوسواس الإشارة كما في الفاتحة إلى جلالة شأن التقوى والرمز إلى أنها ملاك الأمر كله وبها يحصل حسن الخاتمة ، فسبحانه من ملك جليل ما أجل كلمته وللّه در التنزيل ما أحسن فاتحته وخاتمته. وقد ختمت السورة بما بدئت به ، والمعنى الثاني أوفق برد آخرها على أولها فإنه يكون شرحاً للناس الذين أضيفت لهم الصفات العلى.

 (ومنها) أنّ الخواطر الواردة على الإنسان قد تكون وسوسة ، وقد تكون إلهاماً ، والإلهام تارة يكون من الله بلا واسطة ، وتارة يكون بواسطة الملك ، ويكون كل منها في القلب ، والوسوسة تارة من الشيطان ، وأخرى من النفس ، وكلاهما يكون في الصدر ، فإن كان الإنسان مراقباً دفع عن نفسه الضار ، وإلا هجمت الواردات عليه وتمكنت منه ويتميز خير الخواطر من شرها بقانون الشرع على أن الأمر مشكل ، فإن الشيطان يجتهد في التلبيس ، فإن وافق الشرع فلينظر ، فإن كان فعله ذلك الحين أولى من غير تفويت لفضيلة أخرى هي أولى منه بادر إليه وإن كان الخاطر دنيوياً وأدى الفكر إلى أنه نافع من غير مخالفة للشرع زاد على شدة تأملهالاستشارة لمن يثق بدينه وعقله ،  ثم الاستخارة لاحتمال أن تتوافق عليه العقول ، ويكون فيه خلل لتقصير وقع في النظر ، وقد جعل بعضهم قانون الخاطر الرحماني أن ينشرح له الصدر ويطمئن إليه النفس ، والشيطاني والنفسي ان ينقبض عنده الصدر وتقلق النسف بشهادة الحديث النبوي في البر والإثم ، ويعرف الشيطاني بالحمل على مطلق المخالفة ، فإن الشيطان لا غرض له في مخالفة بعينها ، فإن حصل أذكر زال ذلك ، والنفساني ملزوم شيء بعينه سواء كان نفعاً أو ضراً ، ولا ينصرف عنه بالذكر ،

(ومنها) أنّه قد يكون الشيطان إنسياً من أزواج وأولاد ومعارف ، وربما كان أضر من شيطان الجن ، فدواؤه المقاطعة والمجانبة بحسب القدرة ، ومن أراد قانوناً عظيماً لمن يصاحب ومن يجانب فعليه بآية الكهف77  {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من إغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً} .( الكهف : 28 ). وكون الإنس يوسوس لا شك في ذلك، وكون الجني يوسوس لا شك في ذلك، لكن وسوسة شيطان الجن أعظم من شيطان الإنس، وكما قال فريق من أهل العلم: إن شيطان الإنس يدفع بأمور لا يدفع بها شيطان الجن، فشيطان الإنس إذا أكرمته ببعض الكرامات في الدنيا، وأعطيته بعض الأموال، قد يسكت عنك كما قال تعالى: { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } (فصلت:34)، فقد تعطيه مالاً أو تتكلم معه بكلمة طيبة، أو تتنازل عن جزء من مالك فيسكت عنك، أما شيطان الجن فلا يرضى منك إلا بالكفر والعياذ بالله. قد علّمنا اللَّه تعالى في هذه السورة رحمة بنا كيفية الاستعاذة من شياطين الإنس والجن ، وعرفنا أنه بصفاته الثلاث : الربوبية ، والملك ، والألوهية ، يحمي المستعيذ من شرور الشيطان وأضراره في الدين والدنيا والآخرة. ومعنى الربوبية يدل على مزيد العناية،فنوضح بعونه تعالى حروزشرعية من الشيطان.

حروز شرعية من الشيطان 

إعلم!أنّه قد ذكر العلماء رحمهم الله جملة حروز يُحترز بها من الشيطان:نعم أولها وأعظمها: ذكر الله عز وجل والاستعانة به سبحانه, وقد ورد في حديث الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها )، فذكر من الخمس الكلمات ( وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم )، فذكر الله للعبد بمثابة الحصن، فالشيطان يفر عند ذكر الله سبحانه وتعالى، ويقبل على العبد ويجثم على صدره إذا هو غفل عن ذكر الله سبحانه وتعالى.

ومن الحروز: التعوذات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله: { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } (المؤمنون:97-98) وقراءة المعوذتين مع سورة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } (الإخلاص:1) وقراءة الآيتين -الأخيرتين- من سورة البقرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من قرأ هاتين الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه ) قال فريق من العلماء: كفتاه من الشيطان، وقيل: كفتاه عن قيام الليل،  وثم أقوال أخر، ومن ذلك قول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، إذا نزلت منزلاً، وقول: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاثاً صباحاً وثلاثاً مساء، فلا يضرك شيء حتى تمسي وحتى تصبح.

ومن الحروز: صلاة أربع ركعات أول النهار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل: يا ابن آدم! اركع لي أربع ركعات أول النهار أكفك آخره، ). وادفع الوساوس عن إخوانك فلا تقف في مواقف الشبهات، فإنها يدخل منها إبليس إلى قلوب إخوانك فيظنون بك ظن السوء، ولذلك لما كان النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً مع صفية بنت حيي فرآه رجلان من الأنصار فأسرعا، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: ( على رسلكما إنها صفية بنت حيي . فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءًا أو قال شيئاً ).

ومن الحروز: الانتهاء عن الاسترسال في الفكر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزال الشيطان يأتي أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ ومن خلق كذا؟ حتى يقول له: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فإذا بلغ ذلك أحدكم فليستعذ بالله، ولينته )، وفي رواية ( فليقل: { اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } (الإخلاص:1-4)).

 ومن الحروز: أن تمسح على صدرك وتقول باسم الله (ثلاثاً)، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبعاً)، وقد جاء عثمان بن أبي العاص الثقفي رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو إليه وجعاً يجده في صدره منذ أسلم، فقال: ( ضع يدك على الذي تألم، وقل: باسم الله (ثلاثاً)، وأعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبعاً) ).

ومن الحروز: سجود السهو حتى لا يسترسل معك الشيطان بعد ذلك، ويفسد عليك عبادتك، قال عليه الصلاة والسلام: ( فإذا سها أحدكم في صلاته فليسجد سجدتين قبل أن يسلم )وفي بعض الروايات أنه سجدها بعد أن سلم صلى الله عليه وسلم، وقال: ( كانتا ترغيماً للشيطان ).  فذكر الله عند الدخول وعند الخروج، ومسح الجسد باليد بعد قراءة المعوذات، هذه كلها حروز نافعة بإذن الله، ولا تحتاج معها أن تذهب إلى من يعالج، ويخلط الرجال بالنساء، ولا غير ذلك.

 (ومنها) أنّه كما رجع مقطعها على مطلعها كذلك كان من المناسبات العظيمة مناسبة معناها للفاتحة ليرجع مقطع القرآن على مطلعه ، ويلتحم مبدؤه بمرجعه على أحسن وجه ، فنظر هذه السورة إلى الفاتحة والتحامها بها من جهة أن الفاتحة اشتملت على ثلاثة أسماء : الله والرب والملك ، وزادت بكونها أم القرآن بالرحمن الرحمي ، لاشتمالهما على جميع النعم الظاهرة والباطنة التي تضمنتها صفة الربوبية ، وسورة الناس على الرب والملك والإله الذي هو الأصل في اسم الجلالة ، واختصت الفاتحة بالاسم الذي لم يقع فيه شركة أصلاً ، فلما تقرر في جميع القرآن أنه الإله الحق ، وأنه لا شركة لغيره في الإلهية يحق بوجه من الوجوه كما أنه لا شركة في الاسم الأعظم الذي افتتح به القرآن أصلاً بحق ولا بباطل ، ختم القرآن الكريم به معبراً عنه بالغله لوضوح الأمر وانتفاء اللبس بالكلية ،

وصار الاختتام مما كان به الافتتاح على الوجه الأجلى والترتيب الأولي ، وبقي الاسمان الآخران على نظمهما، فيصير النظم إذا ألصفت آخر الناس بأول الفاتحة(إله ملك رب الله رب -رحمن رحيم ملك) إعلاماً بأن مسمى الأسم الأعظم هو الإله الحق ، وهو الملك الأعظم لأنه له الإبداع وحسن التربية والرحمة والعامة والخاصة ،

(ومنها) أنّ حاصل سورة الناس الاستعاذة بهذا الرب الموصوف من وسوسة الصدر المثمرة للمقرابة كما أن حاصل سورة الفاتحة فراغ السر من الشواغل المتقضي لقصر الهمم عليه سبحانه وتعالى والبقاء في حضرته الشماء بقصر البقاء عليه والحكم بالفناء على ما سواه ، وذلك هو أعلى درجات المراقبة ،} ومن نقص من الأعمال شيئاً اعتماداً على أنه وصل فقد تزندق ، وكان مثله مثل شخص في بيت مظلم أسرج فيه سراجاً فأضاء ، فقال : ما أوقدت السراج إلا ليضيء البيت فقد أضاء ، فلا حاجة لي الآن إلى السراج ، فأطفأه فعاد الظلام كما كان ،  فإذا أراد الحق إعانة عبد حمله على الاستعانة بالاستعاذة فيسر عليه صدق التوكل ، فحينئذ يصير عابداً صادقاً في العبودية فيكون إله سمعه الذي يسمع ، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وينبغي أنه كلما زاده سبحانه وتعالى تقريباً ازداد له عبادة حتى ينفك من مكر الشيطان بالموت كما قال تعالى لأقرب خلقه إليه محمد ( صلى الله عليه وسلم )  {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} (الحجر : 99). والله سبحانه وتعالى أعلم.

 بحث الوداع وآداب الختم وما يتعلق به 

 إعلم! إننا نذكر في توضيح هذا المبحث وجوه :- ألف:- في وقته قد تقدم أن الختم للقارئ وحده يستحب أن يكون في الصلاة وأنه قيل يستحب أن يكون في ركعتي سنة الفجر وركعتي سنة المغرب وفي ركعتي الفجر أفضل وأنه يستحب أن يختم ختمة في أول النهار في دور ويختم ختمة أخرى في آخر النهار في دور آخر وأما من يختم في غير الصلاة والجماعة الذين يختمون مجتمعين فيستحب أن تكون ختمتهم يقول أول النهار أو في أول الليل كما تقدم وأول النهار أفضل عند بعض العلماء.

 ب: –  يستحب صيام يوم الختم إلا أن يصادف يوما نهى الشرع عن صيامه وقد روى ابن أبي داود بإسناده الصحيح أن طلحة بن مطرف وحبيب بن أبي ثابت والمسيب بن رافع التابعيين الكوفيين رضي الله عنهم أجمعين كانوا يصبحون في اليوم الذي يختمون فيه القرآن صياما.

ج:-  يستحب حضور مجلس ختم القرآن استحبابا متأكدا فقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر الحيض بالخروج يوم العيد ليشهدن الخير ودعوة المسلمين

وروى الدارمي وابن أبي داود بإسنادهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يجعل رجلا يراقب رجلا يقرأ القرآن فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيشهد ذلك وروى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين عن قتادة التابعي الجليل صاحب أنس رضي الله عنه قال كان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا وروى بأسانيده الصحيحة عن الحكم بن عيينة التابعي الجليل قال قال أرسل إلي مجاهد وعتبة بن لبابة فقالا إنا أرسلنا إليك لأنا أردنا أن نختم القرآن والدعاء يستجاب عند ختم القرآن وفي بعض الروايات الصحيحة وأنه كان يقال أن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن وروى بإسناده الصحيح عن مجاهد قال كانوا يجتمعون عند ختم القرآن يقولون تنزل الرحمة .

 د: – يستحب إذا فرغ من الختمة أن يشرع في أخرى عقيب الختمة فقد استحبه السلف واحتجوا فيه بحديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال خير الأعمال الحل والرحلة قيل وما هما قال افتتاح القرآن وختمه. وروى عن ابن كثير رحمه الله انه كان اذا انتهى فى آخر الختمة الى قل اعوذ برب الناس قرأ سورة الحمد لله رب العالمين وخمس آيات من اول سورة البقرة على عدد الكوفى وهوالى واولئك هم المفلحون لان هذا يسمى حال المرتحل ومعناه انه حل فى قرآءته آخر الختمة وارتحل الى ختمة اخرى ارغاما للشيطان وصار العمل على هذا فى امصار المسلمين فى قرآءة ابن كثير وغيرها، وورد النص عن الامام احمد بن حنبل رحمه الله ان من قرأ سورة الناس يدعو عقب ذلك فلم يستحب ان يصل ختمه بقرآءة شئ وروى عنه قول آخر بالاستحباب واستحسن مشائخ العراق قرآءة سورة الاخلاص ثلاثا عند ختم القرءآن الا ان يكون الختم فى المكتوبة فلا يكررها.

 ومن أحكام الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، أي بالبداهة أن إنزال القرآن المجيد على نبي هذه الأمة الإسلامية قصد به العمل بكل ما جاء فيه من الأحكام والشرائع والعقائد والآداب والأخلاق والمواعظ، وأنه لا يكفي المسلّم أو المسلمة مجرد قراءته أو تلاوته للتعبد والبركة، وإنمامع ذلك للاستفادة بما جاء فيه، فهو دستور الأمة، ونظام حياة الفرد والجماعة، والرعية والدولة.

ه:- الدعاء مستحب عقيب الختم استحبابا متأكدا لما ذكرناه في المسألة التي قبلها وروى الدارمي بإسناده عن حميد الأعرج قال من قرأ القرآن ثم دعا أمن على دعائه أربعة آلاف ملك وينبغي أن يلح في الدعاء وأن يدعو بالأمور المهمة وأن يكثر في ذلك في صلاح المسلمين وصلاح سلطانهم وسائر ولاة أمورهم وقد روى الحاكم أبو عبد الله النيسابوري بإسناده أن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن كان أكثر دعائه للمسلمين والمؤمنين والمؤمنات وقد قال نحو ذلك غيره فيختار الداعي الدعوات الجامعة كقوله * اللهم أصلح قلوبنا وأزل عيوبنا وتولنا بالحسنى وزينا بالتقوى واجمع لنا خير الآخرة والأولى وارزقنا طاعتك ما أبقيتنا * اللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى وأعذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا وأعذنا من عذاب النار وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال * اللهم إنا نسألك الهدى والتقوى والعفاف والغنى * اللهم إنا نستودعك أدياننا وأبداننا وخواتيم أعمالنا وأنفسنا وأهلينا وأحبابنا وسائر المسلمين وجميع ما أنعمت علينا وعليهم من أمور الآخرة والدنيا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة واجمع بيننا وبين أحبابنا في دار كرامتك بفضلك ورحمتك * اللهم أصلح ولاة المسلمين ووفقهم للعدل في رعاياهم والإحسان إليهم والشفقة عليهم والرفق بهم والاعتناء بمصالحهم وحببهم إلى الرعية وحبب الرعية إليهم ووفقهم لصراطك الذي المستقيم والعمل بوظائف دينك القويم *  ووفقهم لمصالح الدنيا والآخرة وحببه إلى رعيته وحبب الرعية إليه ويقول باقي الدعوات المذكورة في جملة الولاة ويزيد* اللهم أصلح أحوال المسلمين وأرخص أسعارهم وأمنهم في أوطانهم واقض ديونهم وعاف مرضاهم وانصر جيوشهم وسلم غيابهم وفك أسراهم واشف صدورهم وأذهب غيظ قلوبهم وألف بينهم واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة وثبتهم على ملة رسولك صلى الله عليه وسلم : وأوزعهم ن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه وانصرهم على عدوك وعدوهم إله الحق واجعلنا منهم * اللهم اجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين به ناهين عن المنكر مجتنبين له محافظين على حدودك قائمين على طاعتك متناصفين متناصحين * اللهم صنهم لأن في أقوالهم وأفعالهم وبارك لهم في جميع أحوالهم ويفتح دعاءه ويختمه بقوله الحمد لله رب العالمين حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد .

 التوصية النافعة

اعلم!انّ العالم في الوسط العلمي أن لا يستغنى بتفسير قديم عن تفسير آخر، لاختلاف مناهج المفسرين، وامتياز كل تفسير بميزة لا تتوافر في الآخر، فهذا في العقيدة، وهذا في الأحكام، وذاك في الآثار والروايات الكثيرة، وآخر في التأويل بالمعقول أو في العلوم الكونية، والكل يكمل بعضه بعضا،لذا وجب وضع تفسير شامل معتدل غير متطرف، يجمع بين مزايا التفاسير المختلفة وييسر على القارئ والتالي فهم الآيات الكريمة بدقة ووعي، ويحيط بكل ما هو ضروري يحقق مقاصد القرآن العظيم في العقيدة والعبادة والتشريع والآداب والأخلاق والسلوك القديم في الحياة،

ويفسر القرآن بالقرآن وبالسّنة الصحيحة والسيرة الثابتة، وهذا ما أوردته في هذا الكتاب، كما أردت بيان ما يستنبط من الآيات من أحكام شرعية مختلفة. بقي بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- في سورة البقرة ثمان سنين مثل ابن عمر رضي الله عنهما حتى يتعلمها فقال: (كنا لا نتجاوز الآية من القرآن حتى نحفظها ونفقهها ونعرف ما فيها من العلم والعمل)، أما الآن فإن الناس بالعكس، والتأدب بآداب القرآن وآداب حملة القرآن قبل تعليم الناس أحكام الحلال والحرام شيء هام، وإلا كان ذلك حجة لهذا الصاحب، ألا ترى أن بعض من تعلم وتفقه في الدين وأخذ الشهادة في ذلك يُضل ويَضل، ويقطع طريق الدعوة والخير على أهل الخير والدعوة، يأخذه الناس قدوة وحجة -والعياذ بالله- وإنما المعلم الذي نريد كريم النفس، واسع الصدر ، عظيم الصبر، متمكناً في قرآنه ، راسخاً في إيمانه داعية في سلوكه،أسوة في عمله وفي منطوقه ،ويحمل هموم مهمته، ويفهم واقع أمته فمهمته عظيمة، وعمله من أشرف الأعمال إذا أتقنه وأخلص لله تعالى فيه ، وربى الطلاب التربية الإسلامية الصحيحة ، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عمه علي رضي الله عنه ، (( فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم )) متفق عليه .وقال صلى الله عليه وسلم : (( معلم الخير يستغفر له كل شيء ،حتى الحيتان في البحر)) صحيح رواه الطبراني وغيره, وإذا أهمل واجبه ، ووجه طلابه نحو الانحراف والمبادئ الهدامة ، والسلوك السيئ فعندها يشقي الطلاب ، ويشقي المعلم ، ويكون الوزر في عنقه ، وهو مسؤول أمام الله تعالى لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ” كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته ” متفق عليه ، والمعلم راع في مدرسته . وهو المسؤول عن طلابه. وإذا أخذ الناس مجرد العلم بغير أدب، فهذه مصيبة تحل على الدعو، فلا بد من خشية الله، تقواه، ومن الإخلاص له سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وبذل لهذا العلم في سبيله عز وجل،قال سهل بن عبدالله التستري رحمه الله : ( الناس موتى إلاّ العلماء ، والعلماء سكارى إلاّ العاملون ، والعاملون مغرورون إلاّ المخلصين ، والمخلصون على وجل حتى يُعلم ما يختم الله لهم به ) . ولهذا اتفقت العقول السليمة على أن هلاك الناس من ثلاثة أشخاص : نصف فقيه ، ونصف طبيب ، ونصف نحوي ، فالأول يفسد الأديان والثاني يفسد الأبدان والثالث يفسد اللسان ، نص على ذلك أهل العلم فلا هم بالجهل اعترفوا ، ولا بالعلم والتحقيق شرفوا ، فما يفسدون أكثر مما يصلحون ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله . ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل وأسأل الله تعالى أن يصلح شأن عباده ، وأن يردهم إلى الحق رداً جميلا ، وأن يقينا شرور أنفسنا ، ولا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا ونسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يبارك لنا ولكم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

ولا أجد الآن خيرا من إهداء شيء من المدنية المنورة على صاحبها الف ألف صلوة وتحية،للمسلمين في كل مكان، وزمان؛

اولاً:- غير هذا الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الترمذي والدّارمي عن علي بن أبي طالب أمير

 المؤمنين رضي اللَّه عنه مرفوعا: «كتاب اللَّه تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللَّه، هو حبل اللَّه المتين، ونوره المبين، والذّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرّد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه، هدي إلى صراط مستقيم».

وثانيًا:- الالتزام مع اهل السنة والجماعة لأن هذه الطائفة الناجية المنحصرة في مذاهب الاربعة زبدة اعتقادا وقولا وعلما وعملا وخلقا وهديا ودعوة وجهادا، فاعتقادهم أسلم ومنهجهم أقوم، وعلمهم أحكم، وفقههم أفهم، وإنهم صفوة الله من خلقه بعد الرسل والأنبياء، فهم أنصار الله ورسوله، وهم أتباع النبيين، هم أولياء الله الأخيار، دعوتهم الصلاح والإصلاح بالتوحيد والسنة ومنهج النبوة، هم أهل الحق والطاعة، ويبذلون النصيحة لكل مسلم مهما كانت منزلته بالضوابط الشرعية والقواعد السنية، والطائفة المنصورة هم في الحقيقة ملح البلاد لا يحلو العيش بدونهم لأنهم أهل الله تعالى وخاصته، أينما يحلون أو يرتحلون ينزل عليهم الخير وتحيط بهم وطلبتهم البركة، وتصحبهم السلامة، وتظلهم العافية، فهم العاملون بالكتاب والسنة فهم الأبرار حقا والأطهار صدقا، بهم تستنصر الأمة على الأعداء لأنهم أهل التوحيد والمعتقد الصحيح، وهم المقدمون في صلاة الاستسقاء عند القحط والبلاء، لأنهم أهل استقامة وتقوى، ودعاءهم مستجاب ( كما قدم عمر العباس رضي الله عنهما)، فهم أعلم الناس بأسماء الله وصفاته وذاته وأفعاله وأقواله، وهم زينة المجالس، كلامهم يسطع منه نور

 العلم لأنه مقتبس من مشكاة النبوة، مازال الناس بخير ما صاحبوهم وكانوا معهم، وتعلموا منهم، وعرفوا منزلتهم ومكانتهم، وأخذوا عنهم في العلم والعمل والهدي والسمت، والطائفة المنصورة هم المستمسكون بالشرع القويم والقائمون بالحق المبين، فحجج الهدى منبعهم ، والعلم النافع والعمل الصالح طريقهم، والدعوة إلى الله وحده سبيلهم، وتحكيم شرعه وإقامة أمره ونهيه سجيتهم، والأخذ بأيدي الخلق إلى الجنة هدفهم، و رضا الله مبتغاهم، يقولون الحق بالبرهان، ولا يخافون في الله لومة لائم، ويجاهدون الأعداء المحاربين للدين والملة، ويستبسلون في مواطن البلاء بعد علمهم أن الفتن ستنجلي، ولا يثبت في الختام إلا الحق، و ما سوى ذلك يذهب جفاء وهباء منثورا.

وثالثا:- تهيّة للجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الله تعالى لأنّ طالب النفوذ إلى الله تعالى والدار الآخرة ، بل إلى كل علم وصناعة ورئاسة بحيث يكون رأساً في ذلك مقتدى به،يحتاج أن يكون مجاهداً شجاعاً مِقْدَاماً حاكماً على وَهْمِه ، غير مَقْهور تحت سلطان تَخَيُّلِه، زاهداً في كل ما سوى مَطْلوبه ، عاشقاً لما توجَّه إليه ، عارفاً بطريق الوصول إليه والطرق القواطع عنه ، مَقْدام الهمة ثابت الجأْش ، لا يَثْنِيه عن مطلوبه لَوْمُ لائم ، ولا عذل عاذل ، كثير السُّكُون ، دائمُ الفكر، غير مائل مع لذَّةِ المدح ، ولا ألم الذم ، قائماً بما يحتاج إليه من أسباب مَعُوْنَتِه ، لا تَسْتَفزُّه المعارضات، شعاره الصبر ، وراحته التعب ، مُحِبّاً لمكارم الأخلاق ، حافظاً لوقته ، لا يخالط الناس إلا على حذر ، كالطائر الذي يلتقط الحب من بينهم ، قائماً على نفسه بالرغبة والرهبة ، طامعاً في نتائج الاختصاص على بني جنسه ، غير مرسِلٍ شيئاً من حواسِّه عبثاً، ولا مسرِّحاً خواطره في مراتب الكون ، ومِلاك ذلك هجر العوائد وقطع العلائق الحائلة بينك وبين المطلوب،

عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُجَاهِدْ أَوْ لَمْ يُعِنْ مُجَاهِدًا أَوْ لَمْ يَخْلُفْهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ ، أَصَابَتْهُ قَارِعَةٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْقَارِعَةُ هِيَ الدَّاهِيَةُ الَّتِي لَا يَحْتَمِلُهَا الْمَرْءُ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهَا .وَفِي هَذَا بَيَانُ فَضِيلَةِ الْجِهَادِ ، وَنَيْلِ الثَّوَابِ بِالْإِعَانَةِ لِلْمُجَاهِدِ ، وَعِظَمِ وِزْرِ مَنْ خَانَ الْمُجَاهِدَ فِي أَهْلِهِ .

وَكَأَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ الثَّلَاثَةَ يَعْنِي تَرْكَ الْجِهَادِ ، وَتَرْكَ إعَانَةِ الْمُجَاهِدِينَ ، وَالْخِيَانَةَ لِلْمُجَاهِدِ فِي أَهْلِهِ ، وَلَا تَجْتَمِعُ إلَّا فِي مُنَافِقٍ .وَالْوَعِيدُ الْمَذْكُورُ لَائِقٌ بِحَقِّ الْمُنَافِقِينَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَهْبَانِيَّةٌ ، وَرَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي الْجِهَادُ } .

وَمَعْنَى الرَّهْبَانِيَّةِ هُوَ التَّفَرُّغُ لِلْعِبَادَةِ وَتَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِعَمَلِ الدُّنْيَا .وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ بِالِاعْتِزَالِ عَنْ النَّاسِ وَالْمُقَامِ فِي الصَّوَامِعِ فَقَدْ كَانَتْ الْعُزْلَةُ فِيهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الْعِشْرَةِ .ثُمَّ نَفَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَوْلِهِ : { لَا رَهْبَانِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ }.وَبَيَّنَ طَرِيقَ الرَّهْبَانِيَّةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْجِهَادِ ، لِأَنَّ فِيهِ الْعِشْرَةَ مَعَ النَّاسِ ، وَالتَّفَرُّغَ عَنْ عَمَلِ الدُّنْيَا ، وَالِاشْتِغَالَ بِمَا هُوَ سَنَامُ الدِّينِ .فَقَدْ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْجِهَادَ سَنَامَ الدِّينِ .وَفِيهِ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ .وَهُوَ صِفَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَفِيهِ تَعَرُّضٌ لِأَعْلَى الدَّرَجَاتِ وَهُوَ الشَّهَادَةُ .  فَكَانَ أَقْوَى وُجُوهِ الرَّهْبَانِيَّةِ .

ورُوِيَ : عَنْ مَكْحُولٍ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنِّي وَجَدْت غَارًا فِي الْجَبَلِ فَأَعْجَبَنِي أَنْ أَتَعَبَّدَ فِيهِ وَأُصَلِّيَ حَتَّى يَأْتِيَنِي قَدَرِي فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَمُقَامُ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهِ سِتِّينَ سَنَةً فِي أَهْلِهِ } .

وَهَذَا التَّفَاوُتُ إمَّا بِحَسَبِ التَّفَاوُتِ فِي الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَكُلَّمَا كَانَ الْخَوْفُ أَكْثَرَ كَانَ الثَّوَابُ فِي الْمُقَامِ أَكْثَرَ .أَوْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ مَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِ بِمُقَامِهِ ، فَإِنَّ أَصْلَ هَذَا الثَّوَابِ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِعَمَلِهِ . قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { خَيْرُ النَّاسِ مَنْ يَنْفَعُ النَّاسَ } أَوْ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ الْأَوْقَاتِ فِي الْفَضِيلَةِ ،وَعَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ : أَتَيْت أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْت : رَجُلٌ أَوْصَى إلَيَّ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ وَصِيَّتَهُ حَيْثُ تَأْمُرُنِي . فَقَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا لَكُنْت أَضَعُهَا فِي الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَضَعَهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .

وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ اُسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَوَّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهِ تُغْفَرُ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ ، وَبِالْقَطْرَةِ الثَّانِيَةِ يُكْسَى حُلَّةَ الْكَرَامَةِ ، وَبِالْقَطْرَةِ الثَّالِثَةِ يُزَوَّجُ الْحُورَ الْعِينَ } وفِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ فَيَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إلَى الدُّنْيَا .وَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا إلَّا الشَّهِيدَ } فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ لِيَسْتَشْهِد ثَانِيًا مِنْ عِظَمِ مَا يَنَالُ مِنْ الدَّرَجَةِ .أنظر فَضِيلَةَ الرِّبَاطِ في شرح كتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني رحمه الله تعالى. ولا تنازعوا:في الفُرقة والنزاع تبعثَر الجهود، وفي الألفة والاتفاق صفاء القلوب، فاحذر من تفرق الكلمة والاختلاف في الرأي، فهما الهزيمة، ( وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ}والعاقبة للمتقين. والله أعلم وأحكم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب . وهذا آخِرُ ما تَيَسَّر لي من إملاءِ هذا الموضوعِ وحَصْرِ ما في هذا المجموعِ متوسِّلاً إليه بكلامِه متشفِّعاً لديه برسولِه محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم في أن يجعلَه خالصاً لوجهِه مُوْجِباً للفوز لديه، فإنه حسبي ونِعْمَ الوكيلُ.والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات.وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا المصطفى المختار نبي المرحمة نبي الملحمة وعلى آله الطاهرين واصحابه اجمعين ومن تبعهم باحسان الى يوم الدين.

المحتاج  الى الدعاء العبد المفتقيرالى الرحمن ابو الحبيب كل الرحمن المهاجر المدني الحقاني الأريوبي عفى عنه الباري.

[1] (لباب التأويل ، ج 4 ، ص : 503).

[2] (تفسير البحر المحيط ج : 8 رقم ص : 531)

[3] (تفسيرابن كثيرج8ص 534)

[4] (تفسيرالبحرالمحيط ج : 8 ص : 531)

[5]  ( تفسير بيان المعاني ج 1 ص 183).

[6] (تفسيرالخازن ج4ص 503).

[7] ( تفسيرروح البيان ج: 10 ص : 546).

[8] (تفسيرالرازي مفاتح الغيب ج32ص 181) .

[9] (جامع البيان تفسيرالطبري ج 24 ص 709)

[10] (تفسيرأبي السعود ج 7ص 72).

[11] (تفسيرالرازي الكبيرج23ص180)

[12] (تفسير روح البيان ج : 10 ص : 546).

[13] {كشف المعاني صـ 381 ـ 384}

[14] ( تفسيرالمظهري  ج 10 ، ص : 380).

[15] (تفسيرجلالين ج 13ص 245)

[16] (تفسير السراج المنير ج : 4 ص : 722).

[17] ( تفسيرالبغوي ج 8 ص 597).

[18] (تفسيرالقرطبي ج20 ص 243).

[19] (تفسير الإمام عبد الرزاق الصنعاني ج 3 ص 478).

[20]  (صفوة التفاسيرج3ص540).

[21] (تفسير ابي السعودج7ص 72).

[22] (تفسيراللباب لإبن عادل ج: 20 ص :879).

[23] (تفسيرالخازن ج4ص 503).

[24] (تفسيرابن كثيرج 8 ص541).

25 (تفسيرالقرطبي20ص264).

26 (تفسيرالطبري ج20ص711).

تفسير سورة الإخلاص

 

تفسير سورة الإخلاص

 الفصل الاول في محتويات تفسير سورة الإخلاص ،وفيه بحث جليل ، وفيه مسائل 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)

اللَّهُ الصَّمَدُ (2)

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

 الاولى : معرفتها 

اعلم!أنّ سورة الإخلاص هي مكية في قول الجمهور، وقال قتادة والضحاك والسدي وأبو العالية والقرضي رحمهم الله تعالى: هي مدنية ونسب كلا القولين إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.يعني نزلت بمكة بعد سورة الناس وقبل سورة النجم. وهي أربع آيات وخمس عشرة كلمة ، وسبعة وأربعون حرفا ، لا ناسخ ولا منسوخ فيها،عدت السورة الثانية والعشرون في عداد نزول السور، وآياتها عند أهل العدد بالمدينة والكوفة والبصرة أربع، وعند أهل مكة والشام خمس باعتبار {لَمْ يَلِدْ} آية {وَلَمْ يُولَدْ} آية .وفيها إثبات وحدانية الله تعالى ، وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات .وإبطال أن يكون له ابن، وإبطال أن يكون المولود إلاهاً مثل عيسى عليه السلام. ملخص التفاسير).

 الثانية: ربطها 

إعلم! أنه لما بين سبحان تعالى بذلك إهلاكه عدوه ( صلى الله عليه وسلم ) ، وختم بأعدى أعدائه فحكم بهلاكه ، وهلاك زوجه هلاكا لا جبر له على وجه مبين أنه في أدنى دركات الحقارة ، وأعظم أنواع الخسارة ، فرقص الفكر طربا من هذه الأمور ، وسكر اللب من عجائب المقدور ، واهتز السامع غاية الاهتزاز إلى وصف الفاعل لذلك الذي هو خارج عن طوق البشر ، وخارق للعوائد ، وهو إظهار شخص واحد على الناس كافة مع شدة عداوتهم له ، جاءت الإخلاص كاشفة لما ثبت من العظمة لولي النبي ( صلى الله عليه وسلم ) سبحانه وتعالى الذي أمره بهذا الدين وفعل له هذه الأمور – العظيمة الموجبة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، لئلا يستبعد عليه سبحانه وتعالى شيئا من ذلك ولا غيره ، وإن تمثيل جميع ما يأم ربه كلائنا ما كان وكائنا فيه ما كان على أن يوجه كان موافقة لأمره وطاعة له ومنبئة للاعتقاد الحق الذي أوجب هذه النصرة ، واردة على جميع فرق الضلال ، (نظم الدرر في تناسب الآيات والسورالبقاعي صفحة رقم 577). تنبيه:-  الربط بين الآيات لايخفى على اهل البصيرة.

 الثالثة: اسمها 

اعلم!أنّ سميت في أكثر المصاحف وفي معظم التفاسير وفي “جامع الترمذي” “سورة الإخلاص” واشتهر هذا الاسم لاختصاره وجمعه معاني هذه السورة لأن فيها تعليم الناس إخلاص العبادة لله تعالى، أي سلامة الاعتقاد من الإشراك بالله غيره في الإلهية. وسميت في بعض المصاحف التونسية سورة التوحيد: لأنها تشتمل على إثبات أنه تعالى واحد. وفي “الإتقان” أنها تسمى سورة الأساس: لاشتمالها على توحيد الله وهو أساس الإسلام. وفي “الكشاف” روي عن أبي وأنس رضي الله تعالى

 

عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم إست السماوات السبع والأرضون السبع على {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} 1. يعني ما خلقت إلا لتكون دلائل على توحيد الله ومعرفة صفاته. وذكر في “الكشاف”: أنها وسورة الكافرون تسميان المقشقشتين: أي المبرئتين من الشرك ومن النفاق. وسماها البقاعي في “نظم الدرر” سورة الصمد : وهو من الأسماء التي جمعها الفخر. وقد عقد الفخر في “التفسير الكبير” فصلا لأسماء هذه السورة فذكر لها عشرين اسما بإضافة عنوان سورة إلى كل اسم منها ولم يذكر أسانيدها فعليك بتتبعها على تفاوت فيها وهي: التفريد، والتجريد لأنه لم يذكر فيها سوى صفاته السلبية التي هي صفات الجلال ، والتوحيد كذلك ، والإخلاص لما ذكرناه آنفا. والنجاة: لأنها تنجي من الكفر في الدنيا ومن النار في الآخرة.

والولاية: لأن من عرف الله بوحدانيته فهو من أوليائه المؤمنين الذين لا يتولون غير الله. والنسبة: لما روي أنها نزلت لما قال المشركون: أنسب لنا ربك، كما سيأتي. والمعرفة: لأنها أحاطت بالصفات التي لا تتم معرفة الله إلا بمعرفتها. والجمال: لأنها جمعت أصول صفات الله وهي أجمل الصفات وأكملها، ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “إن الله جميل يحب الجمال” فسألوه عن ذلك فقال: “أحد صمد لم يلد ولم يولد” . والمقشقشة :يقال قشقش الدواء الجرب إذا أبرأه لأنها تقشقش من الشرك، وقد تقدم آنفا أنه اسم لسورة الكافرون أيضا. والمعوذة: لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه وهو مريض فعوذه بها وبالسورتين اللتين بعدها وقال له: “تعوذ بها” .

 

 والصمد: لأن هذا اللفظ خص بها. والأساس: لأنها أساس العقيدة الأسلامية، والمانعة: لما روي: أنها تمنع عذاب القبر ولفحات النار. والمحضر: لأن الملائكة تحضر لاستماعها إذا قرئت. والمنفرة: لأن الشيطان ينفر عند قراءتها. والبراءة: لأنها تبرئ من الشرك. والمذكرة: لأنها تذكر خالص التوحيد الذي هو مودع في الفطرة. والنور: لما روي: أن نور القرآن قل هو الله أحد . والأمان: لأن من اعتقد ما فيها أمن من العذاب. وبضميمة اسمها المشهور {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} تبلغ أسماؤها اثنين وعشرين، وقال الفيروز آبادي في بصائر التمييز أنها تسمى الشافية فتبلغ واحدا وعشرين اسما.(ملخص التفاسير).

 الرابعة:موضوعها  

اعلم!أنّ بيان أهم أركان العقيدة والشريعة الإسلامية، وهي توحيد اللَّه وتنزيهه، واتصافه بصفات الكمال، المقصود على الدوام ، المتنزه عن صفات النقص ، وعن المجانسة والمماثلة ونفي الشركاء، وفي هذا الرد على النصارى القائلين بالتثليث، وعلى المشركين الذين عبدوا مع اللَّه آلهة أخرى تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.(ملخص التفاسير).  قد تحدثت عن صفات الله جل وعلا الواحد الأحد ، الجامع لصفات الكمال ، ، الغني عن كل ما سواه ، ، وردت على النصارى القائلين بالتثليث ، وعلى المشركين الوثنئين ، ،الذين جعلوا لله الذرية والبنين.([1]) 

 الخامسة: خلاصتها  

اعلم!أنّ بيان الوحدانيّة ، وذكر الصّمد ، وتنزيه الحقّ من الولد والوالد والولادة ، والبراءَة من الشركة والشريك فى المملكة؛ وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمكافئ والمثيل ، فلا زوجة له ولا ولد ، ولا حاجة بوجه إلى أحد ، بل له الخق والأمر ، فهو يهلك من أراد ويسعد من شاء ، فقال آمراً لنبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ليكون أول كلمة فيها دالة على رسالته رداً على من كذبه في خاصة نفسه وعلى البراهمة القائلين : إن في العقل غنى عن الرسل وعلى سائرالفرق الضالة.(ملخص التفاسير).

 السادسة:فضلها  

اعلم!أنّ وردت أحاديث كثيرة في فضل هذه السورة، وأنها تعدل في ثواب قراءتها ثلث القرآن لأن كل ما جاء في القرآن بيان لما أجمل فيها ولأن الأصول العامة للشريعة ثلاثة: التوحيد، وتقرير الحدود والأحكام، وبيان الأعمال، وقد تكفلت ببيان التوحيد والتقديس. أخرج البخاري وأبو داود والنسائي رحمهم الله تعالى  عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: «أن رجلا سمع رجلا يقرأ قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يرددها، فلما أصبح، جاء إلى النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالّها، فقال النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن». 

وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي سعيد رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فشقّ ذلك عليهم، وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول اللَّه؟ فقال: اللَّه الواحد الصمد ثلث القرآن». وقد ذكروا في ذلك وجوها ، منها ما قاله أبو العباس بن سريج رحمه الله تعالى: أن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام : ثلث منها للأحكام ، وثلث منها وعد ووعيد ، وثلث منها الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات . وقال الغزالي رحمه الله تعالى: في ” جواهر القرآن” : مهمات القرآن هي معرفة الله ومعرفة الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم ، فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة ، والباقي توابع .وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من الثلاث،

 وهي معرفة الله ، وتقديسه وتوحيده عن مشارك في الجنس والنوع . وهو المراد بنفي الأصل والفرع والكفؤ .  

قال : والوصف بالصمد يشعِر بأنه السيد الذي لا يقصد في الوجود للحوائج سواه . نعم ، ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم ، فلذلك تعدل ثلث القرآن ، أي : ثلث الأصول من القرآن كما قال : < الحج عرفة > أي : هو الأصل والباقي تبعٌ انتهى . فتضمنت هذه السورة إثبات كلَّ كمال له ، ونفي كل نقص عنه ، ونفي إثبات شبيه أو مثل له في كماله ونفي مطلق الشريك عنه ، وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ؛ ولذلك كانت تعدل ثلث القرآن ، فإن القرآن مداره على الخبر والإنشاء ، والإنشاء ثلاثة : أمر ، ونهي ، وإباحة . والخبر نوعان : خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه ، وخبر عن خلقه ؛ فأخلصت

سورة الإخلاص الخبر عنه وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن ، وخلَّصت قارئها المؤمن من

الشرك العلمي ، كما خلّصت سورة { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } من الشرك العملي الإرادي القصدي .

وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، فحشد من حشد، ثم خرج نبي اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقرأ: قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن، إني لأرى هذا خبرا جاء من السماء، ثم خرج نبي اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم، فقال: إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن». قال النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم: وذلك لأن العلماء قسموا القرآن إلى: · أحكام.·عقائد.·قصص وأخبار.

فكانت سورة: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } تحمل العقائد، وتخالف بها أمة الإسلام سائر الأمم، فكل الملل وكل الأمم إذا رتبتها من ناحية الأديان تجد لها أكثر من إله، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي تخالف الأمم كلها، فلها إله واحد سبحانه وتعالى، حتى الذين يدرسون الأديان -الآن- في الجامعات الأمريكية وغيرها يقسمون الناس أو العالم كله إلى قسمين: · قسم اتخذ عدة آلهة يعبدها. ·وقسم له إله واحد.فالمسلمون فقط هم الذين يعبد إلهاً واحداً.

 

وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي رحمهم الله تعالى  عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه

عن النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ في ليلة، فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن».

وروى مسلم حديثا جاء فيه : «بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – رجلا على سريّة فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو اللّه أحد فلما رجعوا ذكر ذلك للنبي – صلى الله عليه وسلم – فقال سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبّ أن أقرأ بها فقال رسول اللّه  صلى الله عليه وسلم  أخبروه أنّ اللّه يحبّه».

وروى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : «كان رجل من الأنصار يؤمّهم في مسجد قباء فكان كلّما أمّهم في الصلاة قرأ بقل هو اللّه أحد ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كلّ ركعة فكلّمه أصحابه إمّا أن تقرأ بها وإمّا أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى فقال ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت وإن كرهتم تركت ، وكانوا يرونه أفضلهم فلما أتاهم النبي – صلى الله عليه وسلم – أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك مما يأمرك به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ فقال : يا رسول اللّه إني أحبّها. فقال : إن حبّها أدخلك الجنة».

وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «أقبلت مع النبي – صلى الله عليه وسلم – فسمع رجلا يقرأ قل هو اللّه أحد اللّه الصمد فقال رسول اللّه وجبت قلت وما وجبت قال الجنة». وروى النسائي عن معاذ بن عبد اللّه عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال : «أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم – ليصلّي بنا فخرج فقال قل قلت ما أقول قال قل هو اللّه أحد والمعوّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا يكفك كلّ شي ء» (ملخص كتب الاحاديث).

السابعة:شأن نزولها 

اعلم!أنّ روى الترمذي عن أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه وروى عبيد العطار عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها فتكون مكية. وروى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعو أخا لبيد أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلام تدعونا? قال: “إلى الله” ، قال: صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب? يحسي لجهله أن الإله صنم كأصنامهم من معدن أو خشب أو حجارة فنزلت هذه السورة، لإتكون مدنية لأنهما ما أتياه إلا بعد الهجرة، وقال الواحدي رحمه الله تعالى أن أحبار اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك لعلنا نؤمن بك، فنزلت. والصحيح أنه مكية فإنها جمعت أصل التوحيد وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة، ولعل تأويل من قال: إنها نزلت حينما سأل عامر بن الطفيل وأربد، أو حينما سأل أحبار اليهود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم هذه السورة، فظنها الراوي من الأنصار نزلت ساعتئذ أو لم يضبط الرواة عنهم عبارتهم تمام الضبط. قال في “الإتقان”: وجمع بعضهم بين الروايتين بتكرر نزولها ثم ظهر لي ترجيح أنها مدنية كما بينته في أسباب النزول اه. وعلى الأصح من أنها مكية.(ملخص التفاسير).  

{الفصل الثاني:في تفسيرآيات سورة الاخلاص ،وفيه بحث جامع ، وفيه مسئلتان}

الاولى:تحقيق الآيتين الكريمتين (1-2)

 الاول: المناسبة بين الآيات الكريمات 

إعلم!أنّ سورة « الإخلاص » وما تحمل من إقرار بإخلاص وحدانية اللّه من كل شرك ـ هى مركب النجاة لمن أراد أن ينجو بنفسه من هذا البلاء ، وأن يخرج من تلك السفينة الغارقة التي ركبها أبو لهب وزوجه ، ومن اتخذ سبيله معهما من مشركى قريش ومشركاتها .. ساقتهم إلى هذا البلاء الذي لقياه فى الدنيا ، وإلى هذا العذاب الأليم فى جهنم المرصودة لهما فى الآخرة، وها هوذ النبي  

الكريم ، يؤذّن فى القوم ، بسورة الإخلاص ، ومركب الخلاص،وفيها إثبات وحدانية الله تعالى، وأنه لا يقصد في الحوائج غيره وتنزيهه عن سمات المحدثات.(ملخص التفاسير).

 الثاني: تفسير الآيتين الكريمتين 

 قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ

الف:- قوله تعالى: “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ” أي سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رَبّه فَنَزَلَ ” قُلْ هُوَ اللَّه أَحَد ” فَاَللَّه خَبَر هُوَ وَأَحَد بَدَل مِنْهُ أَوْ خَبَر ثَانٍ([2])يعني الذي سألتموني عنه هو اللّه الواحد في الألوهية ، والرّبوبية الموصوف بصفات الكمال والعظمة المنفرد عن الشبه ، والمثل والنظير ، وقيل لا يوصف أحد بالأحدية غير اللّه تعالى فلا يقال رجل أحد ، ودرهم أحد بل أحد صفة من صفات اللّه تعالى.

استأثر بها فلا يشركه فيها أحد ، والفرق بين الواحد ، والأحد أن الواحد يدخل في الأحد ، ولا ينعكس ، وقيل إن الواحد يستعمل في الإثبات والأحد في النفي تقول في الإثبات رأيت رجلا واحدا ، وفي النفي ما رأيت أحدا ،فتفيد العموم ،وقيل الواحد هو المنفرد بالذات فلا يضاهيه أحد ، والأحد هو المنفرد بالمعنى فلا يشاركه فيه أحد([3])

 

ب:- قوله تعالى: “اللَّهُ الصَّمَدُ” أي مُبْتَدَأ وَخَبَر أَيْ الْمَقْصُود فِي الْحَوَائِج عَلَى الدَّوَام([4]). قال ابن عباس، ومجاهدُ والحسنُ وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنهم: “الصمد” الذي لا جوف له.قال الشعبي رحمه الله تعالى: الذي لا يأكل ولا يشرب. وقيل: تفسيره ما بعده، روى أبو العالية عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: “الصمد” الذي لم يلد ولم يولد؛ لأن من يولد سيموت، ومن يرث يورث منه. قال أبو وائلِ شقيقُ بن سلمة رحمه الله تعالى: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدَده، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد. وعن سعيد بن جبير أيضا: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقيل: هو السيد المقصود في (الحوائج. وقال السدي) هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانًا أصمده صمْدًا -بسكون الميم -إذا قصدته، (والمقصود:) صمَد، بفتح الميم.وقال قتادة رجمه الله تعالى: “الصمد” الباقي بعد فناء خلقه. وقال عكرمة رضي الله تعالى عنه: “الصمد” الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي كرم الله وجهه. وجه وجهه. وقال الربيع: الذي لا تعتريه الآفات. قال مقاتل بن حيان رحمه الله تعالى: الذي لا عيب فيه.([5])

الثالث:النكت الراقية  

اعلم! أنّ أحد بمعنى واحد ، أي فرد من جميع جهات الوحدانية ، أي في ذاته وصفاته لا يتجزأ.وهمزة أحد هذا بدل من واو ، وإبدال الهمزة مفتوحة من الواو قليل ، من ذلك امرأة إناة ، يريدون وناة ، لأنه من الوني وهو الفتور ، كما أن أحدا من الوحدة. وقال ثعلب : بين واحد وأحد فرق ، الواحد يدخله العدد والجمع والاثنان ، والأحد لا يدخله. يقال : اللّه أحد ، ولا يقال : زيد أحد ، لأن اللّه خصوصية له الأحد ، وزيد تكون منه حالات ، انتهى. وما ذكر من أن أحدا لا يدخله ما ذكر منقوض بالعدد. وقرأ أبان بن عثمان ، وزيد بن علي ، ونصر بن عاصم ، وابن سيرين ، والحسن ، وابن أبي إسحاق ، وأبو السمال رحمهم الله تعالى، وأبو عمرو في رواية يونس ، ومحبوب ، والأصمعي ، واللؤلؤي ، وعبيد ، وهارون رحمهم الله تعالى عنه : أَحَدٌ ، اللَّهُ بحذف التنوين لالتقائه مع لام التعريف وهو موجود في كلام العرب وأكثر ما يوجد في الشعر نحو قوله : ولا ذاكرا اللّه إلا قليلا ، ونحو قوله : عمرو الذي هشم الثريد لقومه.([6]) 

نقل عن بعض الحنفية أنه قال في التفرقة بينهما إن الأحدية لا تحتمل الجزئية والعددية بحال ، والواحدية تحتملها لأنه يقال مائة واحدة وألف واحد ولا يقال مائة أحد إلّا ألف أحد وبني على ذلك مسألة الإمام محمد بن الحسن رحمه الله تعالى التي ذكرها في الجامع الكبير إذا كان لرجل أربع نسوة فقال : واللّه لا أقرب واحدة منكن صار موليا منهن جميعا ولم يجز أن يقرب واحدة منهن إلّا بكفارة ، ولو قال : واللّه لا أقرب إحداهما كن لم يصر موليا إلّا من إحداهن والبيان إليه. وفرق الخطابي بأن الأحدية لتفرد الذات والواحدية لنفي المشاركة في الصفات ، ونقل عن المحققين التفرقة بعكس ذلك ولما لم ينفك في شأنه تعالى أحد الأمرين من الآخر قيل الواحد الأحد في حكم اسم واحد ، وفسر الأحد هنا ابن عباس وأبو عبيدة كما قال الجوزي بالواحد وأيد بقراءة الأعمش «قل هو اللّه الواحد». وفسر بما لا يتجزأ ولا ينقسم. 

وقال بعض الأجلّة : إن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك ، فالمراد به هنا حيث أطلق المتصف بالواحدية التي لا يمكن أن يكون أزيد منها ولا أكمل فهو ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد خارجا وذهنا وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية ، وهو مأخوذ من كلام الرئيس أبي علي بن سينا في تفسيره السورة الجليلة حيث قال إن أحدا دال على أنه تعالى واحد من جميع الوجوه وأنه لا كثرة هناك أصلا لا كثرة معنوية، وهي كثرة المقومات والأجناس والفصول وكثرة الأجزاء الخارجية المتمايزة عقلا كما في المادة والصورة ، والكثرة الحسية بالقوة أو بالفعل كما في الجسم وذلك يتضمن لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء والأشكال والألوان وسائر ما يثلم الوحدة الكاملة والبساطة الحقة اللائقة بكرم وجهه عز وجل عن أن يشبهه شيء أو يساويه سبحانه شيء. 

وقال ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى : الذي يصح لنا من القول مع إثبات الصفات أنه تعالى واحد في إلهيته لا غير. وقال غيره من السفليين كالحافظ ابن رجب : هو سبحانه الواحد في إلهيته وربوبيته فلا معبود ولا رب سواه عز وجل ، واختار بعد وصفه تعالى بما ورد له سبحانه من الصفات أن المراد الواحدية الكاملة وذلك على الوجهين كون الضمير للشأن وكونه للمسؤول عنه ، ولا يصح أن يراد الواحد بالعدد أصلا إذ يخلو الكلام عليه من الفائدة. وذكر بعضهم أن الاسم الجليل يدل على جميع صفات الكمال وهي الصفات الثبوتية. ويقال لها صفات الإكرام أيضا. 

 والأحد يدل على جميع صفات الجلال وهي الصفات السلبية ويتضمن الكلام على كونهما خبرين الإخبار بكون المسئول عنه متصفا بجميع الصفات الجلالية والكمالية. وتعقب بأن الإلهية جامعة لجميع ذلك بل كل واحد من الأسماء الحسنى كذلك لأن الهوية إلهية لا يمكن التعبير عنها لجلالتها وعظمتها إلّا بأنه هو هو ، وشرح تلك الهوية بلوازم منها ثبوتية ومنها سلبية واسم اللّه تعالى متناول لهما جميعا فهو إشارة إلى هويته تعالىو اللّه سبحانه كالتعريف لها فلذا عقب به،وكلام الرئيس ينادي بذلك وسنشير إليه إن شاء اللّه تعالى.([7]) 

الواجب على كلا التأويلين ان يكون المراد بأحد ما يكون منزها عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما من الجسمية والمتحيز والمشاركة لشئ من الأشياء فى الحقيقة والمشابهة لشئ من الأشياء فى صفة من صفات الكمال وإذا لم يشابهه أحد فى الذات ولا فى صفة من الصفات لا يكون له ند ولا ضد ولا مثل،

ومن هاهنا قالت الصوفية العلية أحديته تعالى وعدم مشابهة أحد له تعالى فى صفة من الصفات يقتضى ان لا يشاركه أحد فى الوجود فانه اصل الصفات والحيوة التي هى أم الصفات وامامها من العلم والقدرة والارادة والكلام والسمع والتكوين فرع للوجود بالمعنى المصدري فهو امر انتزاعي مترتب عليه ومن ثم قالوا يعنى لا اله الا اللّه لا موجود الا اللّه فالموجود الحقيقي فى الخارج ليس الا اللّه تعالى وما عداه من الممكنات الموجودة متصفة بوجوده كالظل لوجوده فى الخارج أو هو كالظل للخارج الحقيقي وكذا الحال فى العلم والقدرة وسائر الصفات، 

 قال اللّه تعالى ذلك بان اللّه هو الحق يعنى الثابت المتحقق المتأصل فى وجوده وصفاته وان ما يدعون من دونه هو الباطل يعنى اللاشيء فى نفسه وقال اللّه تعالى كل شىء هالك الا وجهه فصفات الممكنات انما يشارك صفات الواجب تعالى اشتراكا اسميا لا اشتراكا حقيقيا ومن لا يفهم كلام الصوفية فعليه التشبث باذيا لهم حتى يتبين لهم انه الحق أو لم يكف بربك انه على كل شىء شهيد الا انهم فى مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شىء محيط ففى جملة واحدة ثم الاشارة إلى مباحث الذات والصفات كلها فى كلمة قل اشارة إلى النبوة والتبليغ واعجاز الآية شاهد على النبوة فكفى بقل هو اللّه أحد عن المجلدات، 

 وان بقي الكلام فى مثل ان صفاته تعالى عين ذاته أو زائدة عليها فلا محذور فيه ولا يتعلق به غرض بل البحث عن مثل هذه الأبحاث الفلسفة يقضى إلى المهلكة قال اللّه تعالى يسئلونك عن الروح قل الروح من امر ربى وما أوتيتم من العلم الا قليلا فإذا لم يوت البشر العلم بحقيقة الروح وهو من الخلائق فانى له العلم بذات الخالق وصفاته الا العجز عن درك إدراكه ….. والبحث عنه اشراك والسبيل إليه المعية الجيبية لا غير عن أبى هريرة قال خرج علينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ونحن متنازع فى القدر فغضب حتى احمر وجهه حتى كانما فقئ وجنتيه حب الرمان فقال أبهذا أمرتم أبهذا أرسلت إليكم انما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا فى هذا الأمر عزمت عليكم الا تنازعوا فيه ، رواه الترمذي وروى ابن ماجة نحوه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.([8]) 

(4) قال الترمذي رحمه الله تعالى : حدثنا محمد بن مرزوق البصري قال حدثنا حاتم بن ميمون أبو سهل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “من قرأ كل يوم  

مائتي مرة قل هو الله أحد ، محي عنه ذنوب خمسين سنة ، إلا أن يكون عليه دين” . وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من أراد أن ينام على فراشه ، فنام على يمينه ، ثم قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مائة مرة ، فإذا كان يوم القيامة يقول الرب : يا عبدي ، ادخل على يمينك الجنة” . قال : هذا حديث غريب من حديث ، ثابت عن أنس. وفي مسند أبي محمد الدارمي ، عن أنس بن مالك  رضي الله تعالى عنه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} خمسين مرة ، غفرت له ذنوب خمسين سنة”  

قال : وحدثنا عبدالله بن يزيد قال حدثنا حيوة قال : أخبرني أبو عقيل : أنه سمع سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يقول : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} عشرة مرات بني له قصر في الجنة. ومن قرأها عشرين مرة بني له بها قصران في الجنه. ومن قرأها ثلاثين مرة بني له بها ثلاثة قصور في الجنة” . فقال عمر بن الخطاب  رضي الله تعالى عنه: والله يا رسول الله إذا لنكثرن قصورنا ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “الله أوسع من ذلك” قال أبو محمد : أبو عقيل زهرة بن معبد ، وزعموا أنه كان من الأبدال.  

وذكر أبو نعيم الحافظ من حديث أبي العلاء يزيد بن عبدالله بن الشخير عن أبيه  رضي الله تعالى عنهما ، قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في مرضه الذي يموت فيه ، لم يفتن في قبره. وأمن من ضغطة القبر. وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفها ، حتى تجيزه من الصراط إلى الجنة” . قال : هذا حديث غريب من حديث يزيد ، تفرد به نصر بن حماد البجلي.

وذكر أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ عن عيسى بن أبي فاطمة الرازي رحمهم الله تعالى قال : سمعت مالك بن أنس  رضي الله تعالى عنه يقول : إذا نقس بالناقوس اشتد غضب الرحمن ، فتنزل الملائكة ، فيأخذون بأقطار الأرض ، فلا يزالون يقرؤون {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حتى يسكن غضبه جل وعز. وخرج من حديث محمد بن خالد الجندي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي  

الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من دخل يوم الجمعةالمسجد ، فصلى أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} خمسين مرة فذلك مائتا مرة في أربع ركعات ، لم يمت حتى يرى منزله في الجنة أو يرى له”. وقال أبو عمر مولى جرير بن عبدالله البجلي ، عن جرير رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} حين يدخل منزله ، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل وعن الجيران” وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من قرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مرة بورك عليه ، ومن قرأها مرتين بورك عليه وعلى أهله ، ومن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى جميع جيرانه ، ومن قرأها اثنتي عشرة بني الله له اثني عشر قصرا في الجنة ، وتقول الحفظة انطلقوا بنا ننظر إلى قصر أخينا ، فإن قرأها مائة مرة كفر الله عنه ذنوب خمسين سنة ، ما خلا الدماء والأموال ، فإن قرأها أربعمائة مرة كفر الله عنه ذنوب مائة سنة ، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة أو يرى له”.  

وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال : شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر وضيق المعيشة ؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إذا دخلت البيت فسلم إن كان فيه أحد ، وإن لم يكن فيه أحد فسلم علي ، واقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} مرة واحدة” ففعل الرجل فأدر الله عليه الرزق ، حتى أفاض عليه جيرانه. 

وقال أنس رضي الله تعالى عنه : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك ، فطلعت الشمس بيضاء لها شعاع ونور ، لم أرها فيما مضى طلعت قط كذلك ، فأتى جبريل ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : “يا جبريل ، مالي أرى الشمس طلعت بيضاء بشعاع لم أرها طلعت كذلك فيما مضى قط” ؟ فقال : “ذلك لأن معاوية الليثي توفي بالمدينة اليوم ، فبعث الله سبعين ألف ملك يصلون عليه”. قال “ومم ذلك” ؟ قال : “كان يكثر قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} آناء الليل وآناء النهار ، وفي ممشاه وقيامه وقعوده ، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض. فتصلي عليه” ؟ قال “نعم” فصلى عليه ثم رجع. ذكره الثعلبي ، والله أعلم.([9]) 

اعلم أن قوله هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى الله وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي فلا جرم ما رأوا موجوداً سوى الله لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوماً فهؤلاء لم يروا موجوداً سوى الحق سبحانه،

وقوله هُوَ إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معيناً انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين فلا جرم كان قولنا هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز لأن الافتقار إلى المميز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط فلهذا السبب كانت لفظة هُوَ كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء المقام الثاني وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجوداً وشاهدوا الخلق أيضاً موجوداً فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافياً في الإشارة إلى الحق بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة هو فقيل لأجلهم هو الله لأن الله هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه ويستغني هو عن كل ما عداه والمقام الثالث وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم رداً على هؤلاء ، وإبطال لمقالاتهم فقيل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.([10]) 

(6) أن اعراب قوله تعالى : {الله} ، أي : الذي ثبتت إلهيته وأحديته لا غيره مبتدأ خبره {الصمد} وأخلى هذه الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى ، أو الدليل عليها. والصمد : السيد المصمود إليه في الحوائج ، والمعنى : هو الله الذي تعرفونه وتقرّون بأنه خالق السموات والأرض وخالقكم ، وهو واحد متوحد بالإلوهية ولا يشارك فيها وهو الذي يصمد إليه كل مخلوق لا يستغنون عنه ، وهو الغني عنهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الصمد هو الذي لا جوف له ، وقال الشعبي رحمه الله تعالى : هو الذي لا يأكل ولا يشرب ، وقال الربيع : هو الذي لا تعتريه الآفات ، وقال مقاتل بن حبان رحمه الله تعالى: هو الذي لاعيب فيه ، وقال قتادة رحمه الله تعالى: هو الباقي بعد فناء خلقه ، وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى : هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله ، وقال السدّي رحمه الله تعالى : هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب.تقول العرب : صمدت فلاناً أصمده صمداً بسكون الميم إذا قصدته.([11])

الفوائد 

اعلم!أن من فوائد الآيتين الكريمتين:ان سورة { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ }عند أكثر اهل العلم مكية ،

وقد ذكر في أسباب نزولها سؤال المشركين بمكة ، وسؤال الكفار من أهل الكتاب اليهود بالمدينة ، ولا منافاة ؛ فإن الله أنزلها بمكة أولا ، ثم لما سئل نحو ذلك أنزلها مرة أخرى ، وهذا مما ذكر طائفة من العلماء . وقالوا : إن الآية أو السورة قد تنزل مرتين وأكثر من ذلك ؛ فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد يكون جميعه حقّاً ، والمراد بذلك أنه إذا حدث سبب يناسبها ، نزل جبريل فقرأها عليه ، ليعلمه أنها تتضمن جواب ذلك السبب ، وإن كان الرسول يحفظها قبل ذلك. 

(ومنها)  أن فِي هَذهِ السُّورة لَمَّا سَألوا عَنْ حَقيقَةِ اللَّهِ وَنسبهِ جَاء الجوَابُ بِصفاتِهِ ; لِأَنَّ ما يسْاَلونَ عَنْه إِنَّمَا يَكون فِي المَخْلوقاتِ لَا فِي الخَالقِ سُبْحانَهُ ، وفِي الممْكِنِ لَا فِي الواجِبِ الوجُودِ لِذَاتِهِ ، سبحَانَ مَن لَا يُدْرِكُ كُنْهَهُ غَيْرُهُ ، وصدقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ فِي قَولِهِ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا . ومثلُ ذلِكَ فِي القرآنِ ، لَمَّا سَأَلُوا عَنِ الْأَهِلَّةِ ، مَا بَالهَا تَبْدُو صَغِيرَةً ، ثُمَّ تَكْبُرُ ؟ فَهُوَ سؤَال عَنْ حَقِيقَةِ تَغَيُّرِهَا ، فَتَرَكَ الْقُرْآنُ جَوَابَهُمْ عَلَى سؤَالِهِم وَأَجَابهمْ بِمَا يَلْزَمهم وَيَنْفَعهم . وكَذَلِك جَوَاب الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنُّمْرُوذِ حِينَما حَاجَّهُ فِي رَبِّهِ : إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فذكَرَهُ سُبْحَانَهُ بِصفاتِهِ. 

(ومنها) أنّ لهذه السورة فضل عظيم. قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «إنها تعدل ثلث القرآن»، لكنها تعدله ولا تقوم مقامه، فهي تعدل ثلث القرآن لكن لا تقوم مقام ثلث القرآن. بدليل أن الإنسان لو كررها في الصلاة الفريضة ثلاث مرات لم تكفه عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله، لكنها لا تجزىء عنه، ولا تستغرب أن يكون الشيء معادلاً للشيء ولا يجزىء عنه. فها هو النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن من قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فكأنما أعتق أربعة أنفس من بني إسماعيل، أو من ولد إسماعيل»، ومع ذلك لو كان عليه رقبة كفارة، وقال هذا الذكر، لم يكفه عن الكفارة فلا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون قائماً مقامه في الإجزاء. فورد أنها تعدل ثلث القرآن في ثواب قراءتها إذ الأصول العامة ثلاثة : التوحيد ، تقرير الحدود وأعمال الخلق ، وذكر أحوال يوم القيامة ، ولا حرج على فضل اللّه الذي يهب لمن يقرؤها بتدبر وتفهم مثل ما يهبه لقارئ ثلث القرآن.  

(ومنها)  ماقال العلماء: هذه السورة في حق اللَّه تعالى، مثل سورة الكوثر في حق الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم، لكن الطعن في حق الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم كان بسبب أنهم قالوا: إنه أبتر لا ولد له، وهنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا للَّه ولدا لأن عدم الولد في حق الإنسان عيب، ووجود الولد عيب في حق اللَّه تعالى، ولهذا السبب قال هنا: قُلْ ليدفع عن اللَّه، وفي سورة إنا أعطيناك لم يقل (قل) وإنما قال اللَّه ذلك مباشرة، حتى يدفع بنفسه عن الرسول صلّى اللَّه عليه وسلّم 

(ومنها) البلاغة : قُلْ: هُوَ ذكر الاسم الجليل بضمير الشأن للتعظيم والإجلال.اللَّهُ الصَّمَدُ تعريف كل منهما لإفادة التخصيص.لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ جناس ناقص، لتغير الشّكل وبعض الحروف. قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يقتضي نفي الكفء والولد، وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ هو تخصيص بعد تعميم، زيادة في الإيضاح والبيان، وتقرير ما يسمى التجريد أو التفريد.أَحَدٌ، الصَّمَدُ، لَمْ يُولَدْ، أَحَدٌ سجع مرصع. 

(ومنها)  أنّ السورة بعضها تفسير لبعض من هو اللّه؟ هو اللّه. من اللّه؟ الأحد ، من الأحد؟ الصمد ، من الصمد؟ الذي لم يلد ولم يولد ، من الذي لم يلد ولم يولد؟ الذي لم يكن له كفوا أحد، قيل إن أهل البصرة ، كتبوا إلى الإمام الحسين ، رضى اللّه عنه يسألون عن معنى « الصمد » ، فكتب إليهم بقول : « أما بعد ، فلا تخوضوا فى القرآن ، ولا تجادلوا فيه ، ولا تكلّموا فيه بغير علم ، فقد سمعت جدّى رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم – يقول : « من قال فى القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار » وإن اللّه قد فسر سبحانه الصمد ، فقال : « لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ». 

(ومنها)  القراآت : كانوا أبو عمرورحمه الله تعالى يستحب الوقف على قوله ) قل هو الله أحد ( وإذا وصل كان له وجهان من القراءة : أحدهما التنوين وكسره ، والثاني حذف التنوين كقراءة عزير بن الله لاجتماع الساكنين ، وكل صواب ) وكفؤاً ( بالسكون والهمزة : حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل ورويس عن يعقوب رحمهم الله تعالى.وكان حمزة رحمه الله تعالى يقف ساكنة الفاء ملينة الهمزة ويجعلها شبه الواو إتباعاً للمصحف ، فقرأ الجمهور : بتنوين { أحد } ، وهو : الأصل . وقرأ زيد بن عليّ ، وأبان بن عثمان ، وابن أبي إسحاق ، والحسن ، وأبو السماك ، وأبو عمرو رحمهم الله تعالى في رواية عنه بحذف التنوين للخفة ، كما في قول الشاعر : عمرو الذي هشم الثريد لقومه … ورجال مكة مسنتون عجاف، وقيل : إن ترك التنوين لملاقاته لام التعريف ، فيكون الترك لأجل الفرار من التقاء الساكنين . ويجاب عنه بأن الفرار من التقاء الساكنين قد حصل مع التنوين بتحريك الأوّل منهما بالكسر.  

ومنها: ما قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في شرح الأسماء الحسنى : فالله سبحانه وتعالى أحد في ذاته ، أحد في صفاته ، أحد في أفعاله ، أحد لا عن أحد غير متجزئ ولا متبعض ، أحد غير مركب ولا مؤلف ، أحد لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئاً ، أحد غني عن كل أحد – انتهى ، أجمع سلف الأمة وأئمتها أن الرب سبحانه وتعالى بائن من مخلوقاته ، يوصف بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف ولا تمثيل بوصف من صفات الكمال  ، ونعلم أنه ليس كمثله شيء ولا كفوء له في شيء من صفات الكمال كما قال الله تعالى : ( قل هو الله أحد الله الصمد ، إلى آخرها. 

(ومنها) ما يقول الإمام رحمه الله تعالى« الطبرسي » فى تفسيره (مجمع البيان فى تفسير القرآن ) : « قيل إنما قال « أحد » ولم يقل « واحد » لأن الواحد يدخل فى الحساب ، ويضمّ إليه آخر .. وأما الأحد فهو الذي لا يتجزأ ، ولا ينقسم فى ذاته ، ولا فى معنى صفاته ، ويجوز أن يجعل للواحد ثان ، ولا يجوز أن يجعل للأحد ثان .. لأن الأحد يستوعب جنسه ، بخلاف الواحد .. ألا ترى أنك لو قلت فلان لا يقاومه واحد ، جاز أن يقاومه اثنان ، وإذا قلت : لا يقاومه أحد لم يجز أن يقاومه اثنان ، ولا أكثر .. فهو أبلغ .. ». 

 (ومنها) أنّ في هذه السورة : صفات ثبوتية . وصفات سلبية .الصفات الثبوتية 🙁 الله ) التي تتضمن الألوهية.( أحد ) تتضمن الأحديَّة . ( الصمد ) تتضمن الصمديَّة .والصفات السلبية 🙁 لم يلد ) نفى عن نفسه الولد .( ولم يولد) نفى عن نفسه الولادة .( ولم يكن له كفواً أحد ) نفى عن نفسه المثيل والنظير . ثلاث إثبات ، وثلاث نفي … وهذا النفي يتضمن من الإثبات كمال الأحدية والصمدية .فهذه السورة مشتملة على توحيد ، والصفات فتضمنت أهم الأركان التي قامت عليها رسالة النبي – صلى الله عليه وسلم – وهي توحيد الله وتنزيهه . 

(ومنها) أن وصف الله تعالى بالواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى . الأول : أنه واحد لا ثاني معه فهو نفي للعدد . والثاني : أنه واحد لا نظير ولا شريك له كما تقول : فلان واحد عصره أي لا نظير له . والثالث : أنه واحد لا ينقسم ولا يتبعض ، والأظهر أن المراد في السورة نفي الشريك لقصد الرد على المشركين ومنه قوله تعالى : { وإلهكم إله وَاحِدٌ } (البقرة : 163 ). قال الزمخشري : أحد وصفُ بالوحدانية ونفي الشركاء . 

(ومنها)  أن في الصَّمَد خمس حروف : فالألف دليل على أحديّته ، واللام دليل على إلهيته وهما مدغمان لا يظهران على اللسان ويظهران في الكتابة ، فدلّ على أحديته وإلهيّته خفية لا يدرك بالحواس ، وأنّه لا يقاس بالناس فخفاءه في اللفظ دليل على أن العقول لا تدركه ولا تحيط به علما ، وإظهاره في الكتابة دليل على أنه يظهر على قلوب العارفين ، ويبدو لأعين المحبين في دار السلام ، والصاد دليل على صدقه ، فوعده صدق وقوله صدق وفعله صدق ودعا عباده الى الصدق ، والميم دليل على ملكه فهو الملك على الحقيقة ، والدال علامة دوامه في أبديته وأزليته. 

(ومنها) أنّ كل ما ذكر فى اقوال السلف من المعاني فهى تعبيرات عن لوازمه لأن المقصود على الإطلاق من يحتاج كل ما عداه إليه ولا يحتاج هو إلى غيره فى شىء من الأشياء فيكون ألبتة جامعا لجميع الكمالات وانواع السودد ومنزها عن العيوب وان تعتريه الآفات غير محتاج إلى الاكل والشرب قديما بما لم يولد غير مجانس لاحد حتى يلد مثله ولا يكون فوقه بل ليس مثله أحد فيكون ألبتة بحيث لا ينفذ إليه فهم وادراك ولما كانت الجملة السابقة تغنيه عن هذه الجملة وعن الجمل الثلث اللاحقة وهذه الجملة وما بعدها كالتأكيد للاولى أوردت لزيادة الاهتمام من قبيل إيراد الخاص بعد العام للمبالغة فى التنزيه والتصريح بالرد على المخاطبين المنكرين المشركين فى القصد والعبادة غيره تعالى القائلين باتخاذ اللّه تعالى البنات والبنين بغيره. واللّه سبحانه وتعالى أعلم.

 

الثانية:- تحقيق الآيتين الكريمتين (3-4)

 الاول: المناسبة بين الآيات الكريمات 

 

إعلم!أنّه لما بيّن إثبات وحدانية اللّه ، وأنه لا شريك له ، وأنه هو المقصود وحده في قضاء الحوائج، ثم بين تنزيه للّه تعالى عن أن يكون له ولد أو بنت أو والد أو أم ، أما استحالة أن يكون له ولد فإن الولد يقتضى انفصال جزء من أبيه وهذا بلا شك يقتضى التعدد والحدوث ومشابهة المخلوقات ، على أنه غير محتاج إلى الولد فهو الذي خلق الكون وهو الذي فطر السموات والأرض وهو الذي يرثهما؛ أما استحالة كونه مولودا فهي من البديهيات الظاهرة لاحتياج الولد إلى والد ووالدة ، وإلى ثدي ومرضعة ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا. نعم ما دام واحدا في ذاته ليس متعددا ، وليس والدا لأحد ولا مولودا لأحد ، فليس يشبه أحدا من خلقه ، وليس له مثيل أو نظير أو ند أو شريك سبحانه وتعالى عما يشركون.(ملخص التفاسير). 

 الثاني: تفسير الآيتين الكريمتين 

 لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ  

الف:- قوله تعالى:  “لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ” أي لَمْ يَلِد ” لِانْتِفَاءِ مُجَانَسَته ” وَلَمْ يُولَد” لِانْتِفَاءِ الْحُدُوث عَنْهُ([12])يعني ثُمَّ صرحَ ببعضِ أحكامٍ جزئيةٍ مندرجةٍ تحتَ الأحكامِ السابقةِ فقيلَ { لَمْ يَلِدْ } تنصيصاً على إبطالِ زعمِ المفترينَ في حقِّ الملائكةِ والمسيحِ ولذلكَ وردَ النفيُ على صيغةِ الماضِي أيْ لَمْ يصدُرْ عنْهُ ولدٌ لأنَّهُ لا يجانسُهُ شيءٌ ليمكنَ أنْ يكونَ لهُ من جنسِهِ صاحبةٌ فيتوالدَ كما نطقَ بهِ قولُهُ تعالَى : { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة } ولا يفتقرُ إلى ما يعينُهُ أو يخلفُهُ لاستحالةِ الحاجةِ والفناءِ عليهِ سبحانَهُ { وَلَمْ يُولَدْ } أيْ لمْ يصدُرْ عنْهُ شيءٌ لاستحالةِ نسبةِ العدمِ سابقاً ولاحقاً والتصريحُ بهِ معَ كونِهِم معرفينَ بمضمونِهِ لتقريرِ ما قبلَهُ وتحقيقه بالإشارةِ إلى أنَّهما متلازمانِ إذِ المعهودُ أنَّ ما يلدُ يولدُ ومَا لاَ فَلاَ ومنْ قضيةِ الاعترافِ بأنَّهُ لا يلدُ فهو قريبٌ منْ عطفِ لا  يستقدمونَ عَلَى لا يستأخرونَ كمَا مرَّ تحقيقُهُ .([13]) 

  ب:- قوله تعالى: “وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” أَيْ مُكَافِئًا وَمُمَاثِلًا , وَلَهُ مُتَعَلِّق بِكُفُوًا , وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحَطّ الْقَصْد بِالنَّفْيِ وَأُخِّرَ أَحَد وَهُوَ اِسْم يَكُنْ عَنْ خَبَرهَا رِعَايَة لِلْفَاصِلَةِ. ( تفسيرالجلالين ج13ص235).يعني نفي أن يماثله شيء . ومن زعم أن نفي الكفء وهو المثل في الماضي لا يدل على نفيه للحال والكفار يدعونه في الحال فقد تاه في غيه ، لأنه إذا لم يكن فيما مضى لم يكن في الحال ضرورة إذ الحادث لا يكون كفؤاً للقديم ، وحاصل كلام الكفرة يئول إلى الإشراك والتشبيه والتعطيل ،  والسورة تدفع الكل كما قررنا ، واستحسن سيبويه رحمه الله تعالى تقديم الظرف إذا كان مستقراً أي خبراً لأنه لما كان محتاجاً إليه قدم ليعلم من أول الأمر أنه خبر لا فضلة ، وتأخيره إذا كان لغواً أي فضلة لأن التأخير مستحق للفضلات . وإنما قدم في الكلام الأفصح لأن الكلام سيق لنفي المكافأة عن ذات الباريءسبحانه،وهذا المعنى مصبه ومركزه هو هذا الظرف فكان الأهم تقديمه.([14])

 الثالث: النكت الوافية  

إعلم!أنّه ثم صرح ببعض أحكام جزئية مندرجة تحت الأحكام السابقة فقيل {لَمْ يَلِدْ}أي نزاد كسى را. تنصيصاً على إبطال زعم المفترين في حق الملائكة والمسيح ولذلك ورد النفي على صيغة الماضي من غير أن يقال لن يلد أولاً يلد أي لم يصدر عنه ولد لأنه لا يجانسه شي ليمكن أن يكون له من جنسه صاحبة فيتوالد أولاً يفتقر إلى ما يعينه أو يخلفه لاستحالة الحاجة والفناء عليه سبحانه فإن قلت لم قال في هذه السورة لم يلد وفي سورة بني إسرائيل لم يتخذ ولداً أجيب بأن النصارى فريقان منهم من قال عيسى ولد الله حقيقة فقوله لم يلد إشارة إلى الرد عليه ومنهم من قال اتخذه ولداً تشريفاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً تشريفاً فقوله لم يتخذ ولداً إشارة إلى الرد عليه،

{وَلَمْ يُولَدْ}أي ونزاده شد از كسى.أي لم يصدر عن شيء لاستحالة نسبة العدم إليه سابقاً أولاً حقاً وقال بعضهم : الوالدية والمولودية لا تكونان إلا بالمثلية فإن المولود لا بد أن يكون مثل الوالد ولا مثلية بين هويته الواجبة وهوياتنا الممكنة انتهى وقال البقلي لم يلد ولم يولد أي لم يكن هو محل الحوادث ولا الحوادث محله والتصريح بأنه لم يولد مع كونهم معترفين بمضمونه لتقرير ما قبله وتحقيقه بالإشرة إلى أنهما متلازمان إذ المعهود إن ما يلد يولد وما لا فلا ومن قضية الاعتراف بأنه لم يولد الاعتراف بأنه لا يلد وفي “كشف الأسرار” قدم ذكر لم يلد لأن من الكفار من ادعى إن له ولداً ولم يدع أحد إنه مولود.([15]) 

(8) قرأ العامة : ” كُفُواً ” بضم الكاف والفاء , وقد سهل الهمزة الأعرج ونافع في رواية , وسكن الفاء حمزة وأبدل الهمزة واواً وقفاً خاصة , وأبدلها حفص واواً مطلقاً , والباقون بالهمزة مطلقاً. قال القرطبي رحمه الله تعالى: ونقدم في البقرة أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم , فإنه يجوز في عينه الضم والإسكان إلا قوله تعالى ” أتتّخذنا هزواً “. وقرأ سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم ” كفاء ” بالكسر والمد أي لا مثل له , وأنشد للنابغة : لاَ تَقْذفنِّي برُكنٍ لا كِفاءَ لَهُ وقرأ نافع رحمه الله تعالى في رواية : كِفَا بالكسر وفتح الفاء من غير مد كأنه نقل حركة الهمزة وحذفها.والكفو النظير كقوله : هذا كفؤ لك : أي نظيرك , والاسم الكفاءة بالفتح. 

قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى : والتحقيق أنه تعالى لما أثبت الأحديَّة , والصمديّة , ونفى الوالدية , والمولودية ختم السورة بأن شيئاً من الموجودات يمتنع أن يساويه في شيء من صفات الجلال , والعظمة لانفراده سبحانه , وتعالى بوجوب الوجود لذاته. روى أبو هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” يَقُول الله تعالى : كذَّبنِي ابنُ آدمَ ولمْ يكُنْ ذَلِكَ , وشَتمنِي ولمْ يكُنْ لهُ ذلِكَ , فأما تَكْذيبهُ فقوله : لن يُعِيدنِي كَمَا بَدأنِي , وليْسَ بأوَّل الخَلقِ وليس بأهْونَ عليَّ مِنْ إعَادَتِهِ , وأمَّا شتمهُ إيَّاي , فقوله : اتخذ الله ولداً , وأنا الأحدُ الصَّمَدُ , لم ألدْ ولم أولَدْ ولم يكن لي كفواً أحد “.([16]) 

(9) الخلاصة – إن السورة تضمنت نفى الشرك بجميع أنواعه ، فقد نفى اللّه عن نفسه أنواع الكثرة بقوله : « اللّه أحد » ونفى عن نفسه أنواع الاحتياج بقوله :« اللَّهُ الصَّمَدُ » ونفى عن نفسه المجانسة والمشابهة لشىء بقوله : « لَمْ يَلِدْ » ونفى عن نفسه الحدوث والأوّلية بقوله : « وَلَمْ يُولَدْ » ونفى عن نفسه الأنداد والأشباه بقوله :« وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ » تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.([17])

 الفوائد  

 اعلم!أن من فوائد الآيتين الكريمتين: انه حصل من مجموع جملة {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} إبطال أن يكون الله والدا لمولود، أو مولودا من والد بالصراحة. وبطلت إلهية كل مولود بطريق الكناية فبطلت العقائد المبنية على تولد الإله مثل عقيدة زرادشت الثانوية القائلة بوجود إلهين: إله الخير وهو الأصل، وإله الشر وهو متولد عن إله الخير، لأن إله الخير وهو المسمى عندهم يزدان فكر فكرة سوء فتولد منه إله الشر المسمى عندهم أهرمن وقد أشار إلى مذهبهم أبو العلاء بقوله:قال أناس باطل زعمهم … فراقبوا الله ولا تزعمن فكر (يزدان) على غرة … فصيغ من تفكيره (أهرمن)، 

وبطلت عقيدة النصارى بإلهية عيسى عليه السلام بتوهمهم أنه ابن الله وأن ابن الله لا يكون إلا إلها بأن الإله يستحيل أن يكون له ولد فليس عيسى بابن الله، وبأن الإله يستحيل أن يكون مولودا بعد عدم. فالمولود المتفق على أنه مولود يستحيل أن يكون إلها فبطل أن يكون عيسى إلها. فلما أبطلت الجملة الاسمية الأولى إلهية إله غير الله بالأصالة، وأبطلت الجملة الثانية إلهية غير الله بالاستحقاق، أبطلت هذه الجملة إلهية غير الله بالفرعية والتولد بطريق الكناية ، وجاء في صحيح البخاري عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ رضي الله تعالى عنه قَالَ قَالَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – « مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ ، يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ ». 

(ومنها) انّ من المعلوم أنه إذا لم يكن له ولد ينفى عنه اسم الوالد والصاحبة ، لأن الولد يكون منهما أو من أحدهما كآدم وحواء والمسيح ، واللّه تعالى هو الأول الذي لم يتقدمه والد والآخر الذي لا يتفزع عنه ولد ومن كان كذلك صح أن يقال “وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ 3” يكافئه في كونه لأن كل ما فيه خلقه ولن يكافيء المخلوق خالقه قال تعالى “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ” الآية 11 من سورة الشورى.

(ومنها) انه قد نص سيبويه رحمه الله تعالى في كتابه على أن الخبر قد يقدم على الاسم في باب ( كان ) ولكن تعلق الخبر حينئذ لا يتقدم على الخبر كيلا يلزم العدول عن الأصل بمرتبتين فكيف قدم الصرف على الاسم والخبر جميعاً ؟ أجاب النحويون عنه بأن هذا الظرف وقع بياناً للمحذوف كأنه قال : ولم يكن أحد فقيل : لمن ؟ فأجيب بقوله ( له ) نظيره قوله ) وكانوا فيه من الزاهدين ). ( يوسف : 20) وقوله {فلما بلغ معه السعي} ( الصافات : 102) .  

(ومنها)  انه لم يذكر العاطف على هذه الجملة ولا على ما بعدها وكرر اسم اللّه تعالى للاشعار بان لم يتصف به لم يستحق الالوهية وان المقصد يجب ان لا يكون غيره تعالى ومن ثم قالت الصوفية معنى لا اله الا اللّه لا مقصود الا اللّه وقالوا ما هو مقصد لك فهو معبود لك فان المرء لا تزال يلقى نفسه فى كمال التذلل لتحصيل مقصوده والعبادة عبارة عن كمال التذلل فالصوفية العلية يذكرون النفي والإثبات مع ملاحظة نفى مقصودية ما عدا اللّه ويجتهدون فيه غاية الاجتهاد حتى يزول عن صدورهم كون غيره تعالى مقصودا بوجه من الوجوه واللّه الميسر لكل عسير. 

(ومنها) أن المطالب على ثلاثة أقسام قسم منها لا يمكن الوصول إليه بالسمع وهو كل ما تتوقف صحة السمع على صحته كالعلم بذات اللّه تعالى وعلمه وقدرته وصحة المعجزات ، وقسم منها لا يمكن الوصول إليه إلا بالسمع وهو وقوع كل ما علم بالعقل جواز وقوعه وقسم ثالث يمكن الوصول إليه بالعقل والسمع معا ، وهو كالعلم بأنه واحد وبأنه مرئي إلى غيرهما ، وقد استقصينا في تقرير دلائل الوحدانية في تفسير قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا (الأنبياء : 22). 

(ومنها)  أن قوله : هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ألفاظ ثلاثة وكل واحد منها إشارة إلى مقام من مقامات الطالبين فالمقام الأول : مقام المقربين وهو أعلى مقامات السائرين إلى اللّه وهؤلاء هم الذين نظروا إلى ماهيات الأشياء وحقائقها من حيث هي هي ، فلا جرم ما رأوا موجودا سوى اللّه لأن الحق هو الذي لذاته يجب وجوده ، وأما ما عداه فممكن لذاته والممكن لذاته إذا نظر إليه من حيث هو هو كان معدوما ، فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه ، وقوله : هُوَ إشارة مطلقة والإشارة وإن كانت مطلقة إلا أن المشار إليه لما كان معينا انصرف ذلك المطلق إلى ذلك المعين ، فلا جرم كان قولنا : هو إشارة من هؤلاء المقربين إلى الحق سبحانه فلم يفتقروا في تلك الإشارة إلى مميز، لأن الافتقار إلى التمييز إنما يحصل حين حصل هناك موجودان، 

 وقد بينا أن هؤلاء ما شاهدوا بعيون عقولهم إلا الواحد فقط ، فلهذا السبب كانت لفظة : هُوَ كافية في حصول العرفان التام لهؤلاء ، المقام الثاني : وهو مقام أصحاب اليمين وهو دون المقام الأول ، وذلك لأن هؤلاء شاهدوا الحق موجودا وشاهدوا الخلق أيضا موجودا ، فحصلت كثرة في الموجودات فلا جرم لم يكن هو كافيا في الإشارة إلى الحق ، بل لا بد هناك من مميز به يتميز الحق عن الخلق فهؤلاء احتاجوا إلى أن يقرنوا لفظة اللّه بلفظة هو ، فقيل : لأجلهم هو / اللّه ، لأن اللّه هو الموجود الذي يفتقر إليه ما عداه ، ويستغني هو عن كل ما عداه, 

 والمقام الثالث : وهو مقام أصحاب الشمال وهو أخس المقامات وأدونها ، وهم الذين يجوزون أن يكون واجب الوجود أكثر من واحد وأن يكون الإله أكثر من واحد فقرن لفظ الأحد بما تقدم ردا على هؤلاء وإبطالا لمقالاتهم فقيل : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. 

(ومنها)  أنّ قوله : أَحَدٌ يبطل مذهب الثنوية القائلين بالنور والظلمة ، والنصارى في التثليث ، والصابئين في الأفلاك والنجوم ، والآية الثانية تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى اللّه لأنه لو وجد خالق آخر لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات ، والثالثة تبطل مذهب اليهود في عزير ، والنصارى في المسيح ، والمشركين في أن الملائكة بنات اللّه ، والآية الرابعة تبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء له وشركاء. 

(ومنها)   أن هذه السورة متصلة بقل يا أيها الكافرون في المعنى ولهذا قيل : من أسمائها أيضاً الإخلاص وقد قالوا : إنها اشتملت على التوحيد ، وهذه أيضاً مشتملة عليه ولهذا قرن بينهما في القراءة في الفجر ، والطواف ، والضحى ، وسنة المغرب ، وصبح المسافر ، ومغرب ليلة الجمعة وذلك أنه لما نفى عبادة ما يعبدون ، صرح هنا بلازم ذلك ، وهو أن معبوده أحد ، وأقام الدليل عليه بأنه صمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ولا يستحق العبادة إلا من كان كذلك ، وليس في معبوداتهم ما هو كذلك وإنما فصل بين النظيرتين بالسورتين لما تقدم من الحكمة ، وكأن إيلاءها سورة تبت ورد عليه بخصوصه. 

(ومنها)  أنّ هذه السورة أعظم مفيد للتوحيد في القرآن ، قال الرازي رحمه الله تعالى : والتوحيد مقام ثلاث ، فالعقل يعرفه ولكن النطق لا يصل إليه سئل الجنيد عن التوحيد فقال : معنى تضمحل فيه الرسوم وتتشوش فيه العلوم ويكون الله كما لم يزل وقال الجنيدرحمه الله تعالى أيضا : أشرف كلمة في التوحيد ما قاله الصديق رضي الله عنه : سبحانه من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته. واللّه سبحانه وتعالى أعلم